مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَقَدْ خَالَفَ عَلِيًّا فِي ذَلِكَ عُمَرُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةُ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ: ثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ اسْتَفْتَاهُ فِي لَحْمِ الصَّيْدِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهِ، قَالَ: فَلَقِيت عُمَرَ، فَأَخْبَرْته بِمَسْأَلَةِ الرَّجُلِ، فَقَالَ: بِمَا أَفْتَيْته؟ قُلْت: بِأَكْلِهِ، فَقَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَفْتَيْته بِغَيْرِ ذَلِكَ لَعَلَوْتُك بِالدِّرَّةِ، إنَّمَا نُهِيت أَنْ تَصْطَادَهُ، انْتَهَى. ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِمَاسٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فِي لَحْمِ الصَّيْدِ يَصِيدُهُ الْحَلَالُ، ثُمَّ يُهْدِيهِ لِلْمُحْرِمِ: مَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، قَالَ: وَأَمَّا مَعْنَى الْآيَةِ، فَمَعْنَاهُ: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ، بِدَلِيلِ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} الآية، ولم يقل: لاتأكلوا، قَالَ: وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَيْضًا أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّ الصَّيْدَ يُحَرِّمُهُ الْإِحْرَامُ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَيُحَرِّمُهُ الْحَرَمُ عَلَى الْحَلَالِ، وَكَأَنَّ مَنْ صَادَ صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَذَبَحَهُ فِي الْحِلِّ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ في الحرام، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْحَرَمُ لَا يَمْنَعُ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ الَّذِي صِيدَ فِي الْحِلِّ، كَمَا يَمْنَعُهُ مِنْ الصَّيْدِ الْحَيِّ، كَانَ النَّاظِرُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ الْإِحْرَامُ أَيْضًا، يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ الصَّيْدُ الْحَيُّ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ لَحْمُهُ، إذَا تَوَلَّى الْحَلَالُ ذَبْحَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ١، وَالشَّافِعِيُّ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي إبَاحَةِ أَكْلِ الْمُحْرِمِ مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ، وَأَحْمَدُ مَعَ مَالِكٍ فِي تَحْرِيمِهِ، وَاحْتَجَّ الشَّيْخُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ" لِأَحْمَدَ بِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ، وَبِحَدِيثِ جَابِرٍ، وَبِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، وَمِنْ جِهَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: رُوِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم كَانُوا تَذَاكَرُوا لَحْمَ الصَّيْدِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ، فَقَالَ عليه السلام: " لَا بَأْسَ بِهِ"، انْتَهَى. قُلْت: رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ فِي "كِتَابِ الْآثَارِ"، أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: تَذَاكَرْنَا لَحْمَ الصَّيْدِ يَأْكُلُهُ الْمُحْرِمُ، وَالنَّبِيُّ عليه السلام نَائِمٌ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ عليه السلام، فقال: "فيما تَتَنَازَعُونَ؟ " فَقُلْنَا: فِي لَحْمِ الصَّيْدِ يَأْكُلُهُ الْمُحْرِمُ، فَأَمَرَنَا بأكله، انتهى.
قَالَ الشَّيْخُ فِي "الْإِمَامِ": رَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خُسْرو الْبَلْخِيّ فِي "مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ" عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، قَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ الصَّيْدَ صَفِيفًا، وَكُنَّا نَتَزَوَّدُهُ، وَنَأْكُلُهُ، وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، انْتَهَى. قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الْعَوَّامِ فِي "كِتَابِ فَضَائِلِ أَبِي حَنِيفَةَ"، وَاخْتَصَرَهُ مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّأِ"٢،
١ انتهى كلام الطحاوي.٢ أخرجه مالك في "الموطأ - في باب ما يجوز للمحرم أكله من الصيد" ص ١٣٥.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.