وَالْعَالِمِ وَالْحَيِّ لَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا بِنِيَّةِ، وَالصِّفَةُ كَوَعَظَمَةِ اللَّهِ وَعِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَكَلَامِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ يَمِينٌ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالْعِلْمِ الْمَعْلُومَ، وَبِالْقُدْرَةِ الْمَقْدُورَ.
وَلَوْ قَالَ وَحَقِّ اللَّهِ فَيَمِينٌ
ــ
[مغني المحتاج]
(وَالْعَالِمِ) بِكَسْرِ اللَّامِ (وَالْحَيِّ) الْغَنِيِّ وَالْكَرِيمِ (لَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا بِنِيَّةٍ) ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا اُسْتُعْمِلَتْ فِيهِ، وَفِي غَيْرِهِ سَوَاءً أَشْبَهَتْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، فَإِنْ نَوَاهُ تَعَالَى فَهُوَ يَمِينٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَرَادَ بِهَا غَيْرَهُ أَوْ أَطْلَقَ (وَالصِّفَةُ) الذَّاتِيَّةُ (كَوَعَظَمَةِ اللَّهِ) تَعَالَى (وَعِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَكَلَامِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ يَمِينٌ) بِشَرْطِ أَنْ يَأْتِيَ بِالظَّاهِرِ بَدَلَ الْمُضْمَرِ فِي السِّتَّةِ؛ لِأَنَّهَا صِفَاتٌ لَمْ يَزَلْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَوْصُوفًا بِهَا فَأَشْبَهَتْ الْأَسْمَاءَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ، وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي جُمْلَتُهَا عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ ثَمَانِيَةٌ مَجْمُوعَةٌ فِي قَوْلِ النَّاظِمِ:
حَيَاةٌ وَعِلْمٌ قُدْرَةٌ وَإِرَادَةٌ ... كَلَامٌ وَإِبْصَارٌ وَسَمْعٌ مَعَ الْبَقَا
تَنْبِيهٌ قَدْ عُلِمَ بِمَا فَسَّرَ بِهِ الصِّفَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْمِ جَمِيعُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْحُسْنَى التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ سَوَاءٌ الْمُشْتَقُّ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ كَالسَّمِيعِ، وَالْبَصِيرِ، وَالْعَالِمِ، وَالْقَادِرِ، وَالْمُشْتَقُّ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ كَالْخَالِقِ، وَالرَّازِقِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ صِفَتَيْ الذَّاتِ، وَالْفِعْلِ أَنَّ الْأُولَى مَا اسْتَحَقَّهُ فِي الْأَزَلِ، وَالثَّانِيَةَ مَا اسْتَحَقَّهُ فِيمَا لَا يَزَالُ دُونَ الْأَزَلِ يُقَالُ: عَالِمٌ فِي الْأَزَلِ، وَلَا يُقَالُ: رَازِقٌ فِي الْأَزَلِ إلَّا تَوَسُّعًا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ الْأَمْرُ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ) أَيْ يُرِيدَ (بِالْعِلْمِ الْمَعْلُومَ) كَمَا يُقَالُ: اغْفِرْ لَنَا عِلْمَكَ فِينَا: أَيْ مَعْلُومَك بِهِ (وَبِالْقُدْرَةِ الْمَقْدُورَ) كَمَا يُقَالُ: اُنْظُرْ لِقُدْرَةِ اللَّهِ: أَيْ مَقْدُورِهِ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَيَكُونُ كَأَنَّهُ قَالَ: وَمَعْلُومِ اللَّهِ وَمَقْدُورِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهُ، وَمَا جَزَمَ بِهِ مِنْ أَنَّ عَظَمَةَ اللَّهِ صِفَةٌ هُوَ الْمَعْرُوفُ، وَبَنَى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ مَنْعَ قَوْلِهِمْ: سُبْحَانَ مَنْ تَوَاضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ. قَالَ: لِأَنَّ التَّوَاضُعَ لِلصِّفَةِ عِبَادَةٌ لَهَا، وَلَا يُعْبَدُ إلَّا الذَّاتُ، وَمَنَعَ الْقَرَافِيُّ ذَلِكَ. وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّ عَظَمَةَ اللَّهِ الْمَجْمُوعُ مِنْ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ فَالْمَعْبُودُ مَجْمُوعُهُمَا.
تَنْبِيهٌ ظَاهِرُ كَلَامِهِ تَخْصِيصُ الِاسْتِثْنَاءِ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ دُونَ مَا قَبْلَهُمَا مِنْ الصِّفَاتِ؛ إذْ يُتَخَيَّلُ فِيهَا مِثْلُ هَذَا الِاحْتِمَالِ، وَهُوَ وَجْهٌ جَزَمَ بِهِ كَثِيرُونَ، وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ عَدَمُ الْفَرْقِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: عَايَنْتُ عَظَمَةَ اللَّهِ وَكِبْرِيَاءَهُ، وَيُشِيرُ إلَى أَفْعَالِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَقَدْ يُرَادُ، بِالْجَلَالِ وَالْعِزَّةِ وَالْكِبْرِيَاءِ ظُهُورُ أَثَرِهَا عَلَى الْمَخْلُوقَاتِ، وَبِالْكَلَامِ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة: ٦] وَإِنَّمَا يَسْمَعُ الْأَصْوَاتَ.
(وَلَوْ قَالَ) الْحَالِفُ فِي يَمِينِهِ (وَحَقِّ اللَّهِ) بِالْجَرِّ (فَيَمِينٌ) إنْ نَوَى الْيَمِينَ قَطْعًا، وَكَذَا إنْ أَطْلَقَ فِي الْأَصَحِّ لِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْيَمِينِ، فَنَزَلَ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ. قَالَ الْمَرْوَزِيُّ: وَمَعْنَاهُ وَحَقِّيَّةِ الْإِلَهِيَّةِ، لِأَنَّ الْحَقَّ مَا لَا يُمْكِنُ جُحُودُهُ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.