وَلَوْ اجْتَمَعَ عِيدٌ أَوْ كُسُوفٌ وَجِنَازَةٌ قُدِّمَتْ الْجِنَازَةُ.
ــ
[مغني المحتاج]
قِيلَ: السُّنَّتَانِ إنْ لَمْ تَتَدَاخَلَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَنْوِيَهُمَا وَلِهَذَا لَوْ نَوَى بِرَكْعَتَيْنِ الضُّحَى وَقَضَاءَ سُنَّةِ الصُّبْحِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ تَابِعَتَانِ لِلْمَقْصُودِ فَلَا تَضُرُّ نِيَّتُهَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ (وَلَوْ اجْتَمَعَ عِيدٌ) وَجِنَازَةٌ (أَوْ كُسُوفٌ وَجِنَازَةٌ قُدِّمَتْ الْجِنَازَةُ) فِيهِمَا خَوْفًا مِنْ تَغَيُّرِ الْمَيِّتِ وَلَا يُشَيِّعُهَا الْإِمَامُ بَلْ يَشْتَغِلُ بِبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، هَذَا إنْ حَضَرَتْ وَحَضَرَ الْوَلِيُّ؛ فَإِنْ لَمْ تَحْضُرْ أَوْ حَضَرَتْ وَلَمْ يَحْضُرْ الْوَلِيُّ أَفْرَدَ الْإِمَامُ لَهَا مَنْ يَنْتَظِرُهَا وَاشْتَغَلَ هُوَ بِغَيْرِهَا بِالْبَاقِينَ، وَقَدْ تُفْهِمُ عِبَارَتُهُ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ مَعَ الْجِنَازَةِ فَرْضٌ أَنَّهُ مُقَدَّمٌ وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ تُقَدَّمُ الْجِنَازَةُ أَيْضًا وَلَوْ جُمُعَةً لَكِنْ بِشَرْطِ اتِّسَاعِ وَقْتِ الْفَرْضِ، فَإِنْ ضَاقَ وَقْتُهُ قُدِّمَ. قَالَ السُّبْكِيُّ: وَقَدْ أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ تَقْدِيمَ الْجِنَازَةِ عَلَى الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَلَمْ يُبَيِّنُوا هَلْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ، وَتَعْلِيلُهُمْ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ أَيْ إذَا خِيفَ تَغَيُّرُهُ. قَالَ: وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِتَأْخِيرِ الْجَنَائِزِ إلَى بَعْدِ الْجُمُعَةِ، فَيَنْبَغِي التَّحْذِيرُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ الشَّيْخَ عِزَّ الدِّينِ بْنَ عَبْدِ السَّلَامِ لَمَّا وُلِّيَ الْخَطَابَةَ بِجَامِعِ مِصْرَ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَيُفْتِي الْحَمَّالِينَ وَأَهْلَ الْمَيِّتِ بِسُقُوطِ الْجُمُعَةِ عَنْهُمْ لِيَذْهَبُوا بِهَا، وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ خُسُوفٌ وَوِتْرٌ أَوْ تَرَاوِيحُ قَدَّمَ الْخُسُوفَ وَإِنْ خِيفَ فَوْتُ الْوِتْرِ أَوْ التَّرَاوِيحِ لِأَنَّهُ آكَدُ، وَاعْتَرَضَتْ طَائِفَةٌ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -:.
اجْتَمَعَ عِيدٌ وَكُسُوفٌ بِأَنَّ الْعِيدَ إمَّا الْأَوَّلُ مِنْ الشَّهْرِ أَوْ الْعَاشِرُ وَالْكُسُوفُ لَا يَقَعُ إلَّا فِي الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ أَوْ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ.
وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْمُنَجِّمِينَ وَلَا عِبْرَةَ بِهِ، وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ يَوْمَ مَاتَ سَيِّدُنَا إبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَفِي أَنْسَابِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ أَنَّهُ مَاتَ عَاشِرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِثْلَهُ عَنْ الْوَاقِدِيِّ، وَكَذَا اُشْتُهِرَ أَنَّهَا كَسَفَتْ يَوْمَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ، وَأَنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ. الثَّانِي: سَلَّمْنَا أَنَّهَا لَا تَنْكَسِفُ إلَّا فِي ذَلِكَ، فَقَدْ يُتَصَوَّرُ أَنْ تَنْكَسِفَ فِي يَوْمٍ بِأَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ بِنَقْصِ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ وَكَانَتْ فِي الْحَقِيقَةِ كَامِلَةً فَتَنْكَسِفُ فِي يَوْمِ عِيدِنَا وَهُوَ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَا يَبْطُلُ بِالْكُسُوفِ مَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْفَقِيهَ قَدْ يُصَوِّرُ مَا لَا يَقَعُ لِيَتَدَرَّبَ بِاسْتِخْرَاجِ الْفُرُوعِ الدَّقِيقَةِ.
خَاتِمَةٌ: يُنْدَبُ لِغَيْرِ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ حُضُورُهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ كَالْعِيدِ، وَغَيْرُهُنَّ يُصَلِّينَ فِي الْبُيُوتِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ وَلَكِنْ لَا يَخْطُبْنَ فَإِنْ وَعَظَتْهُنَّ امْرَأَةٌ فَلَا بَأْسَ وَالْخَنَاثَى فِي الْحُضُورِ وَعَدَمِهِ كَالنِّسَاءِ، وَيُسَنُّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَتَضَرَّعَ بِالدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ عِنْدَ الزَّلَازِلِ وَنَحْوِهَا كَالصَّوَاعِقِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ وَالْخَسْفِ، وَأَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُقْرِي لِئَلَّا يَكُونَ غَافِلًا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا عَصَفَتْ الرِّيحُ قَالَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ» . قِيلَ: إنَّ الرِّيَاحَ أَرْبَعٌ الَّتِي مِنْ تُجَاهِ الْكَعْبَةِ: الصَّبَا، وَمِنْ وَرَائِهَا الدَّبُورُ، وَمِنْ جِهَةِ يَمِينِهَا الْجَنُوبُ، وَمِنْ شِمَالِهَا الشَّمَالُ، وَلِكُلٍّ مِنْهَا طَبْعٌ، فَالصَّبَا حَارَّةٌ يَابِسَةٌ، وَالدَّبُورُ بَارِدَةٌ رَطْبَةٌ، وَالْجَنُوبُ حَارَّةٌ رَطْبَةٌ، وَالشَّمَالُ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ، وَهُوَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.