ثُمَّ أَمْسَكَ عَنْ ضَرْبِهَا لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَقْتَ عَدَمِ ضَرْبِي لَك يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي وَقْتِ عَدَمِ الضَّرْبِ، وَإِنْ حَصَلَ ضَرْبٌ قَبْلَهُ. هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ عِنْدِي فِيهِمَا. وَاَلَّذِي يَتَبَادَرُ إلَى فَهْمِي مِنْ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ قَوْلَهُ {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: ٢٣٦] مَعْمُولٌ لِخَبَرِ {لا جُنَاحَ} [البقرة: ٢٣٦] مُتَعَلِّقٌ بِهِ لَا بِطَلَّقْتُمْ وَحْدَهُ.
الْبَحْثُ الْخَامِسُ قَوْله تَعَالَى {أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: ٢٣٦] . وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْ الْمَبَاحِثِ الَّتِي جَرَتْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَنَقَلَ الْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ " أَوْ " عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فَرَضْتُمْ أَوْ لَمْ تَفْرِضُوا.
وَهَذَا يُنَاسِبُ قَوْلَ مَنْ فَسَّرَ الْجُنَاحَ بِالْإِثْمِ، فَإِنَّ الْإِثْمَ مُرْتَفِعٌ عَنْ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ فُرِضَ أَمْ لَمْ يُفْرَضْ، وَأَمَّا الْمُطَالَبَةُ بِالْمَالِ فَلَا تَرْتَفِعُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ بَعْدَ الْفَرْضِ إلَّا أَنْ يُرَادَ الْمُطَالَبَةُ بِكَمَالِ الْمَهْرِ، فَإِنَّهُ أَيْضًا يَرْتَفِعُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ: كُلُّهُ قَبْلَ الْفَرْضِ، وَشَطْرُهُ بَعْدَ الْفَرْضِ. الْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ " أَوْ " بِمَعْنَى الْوَاوِ. وَهَذَا إنْ أُخِذَ عَلَى ظَاهِرِهِ اقْتَضَى أَنَّ التَّقْدِيرَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ وَتَفْرِضُوا، فَيَقْتَضِي انْتِفَاءُ الْجُنَاحِ مَا لَمْ يُوجَدْ الْأَمْرَانِ. وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْجُنَاحَ مَوْجُودٌ عِنْدَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْمَسِيسُ بِالْإِجْمَاعِ. لَكِنَّ الْوَاحِدِيَّ قَدَّرَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ مَا لَمْ تَمَسُّوا أَوْ تَفْرِضُوا؛ فَأَعَادَ حَرْفَ النَّفْيِ، وَبِهِ يَسْتَقِيمُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْجُنَاحُ مُرْتَفِعًا عِنْدَ عَدَمِ هَذَا وَعَدَمِ هَذَا، أَعْنِي عِنْدَ عَدَمِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَلَا يَنْتَفِي عِنْدَ عَدَمِ أَحَدِهِمَا وَوُجُودِ الْآخَرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الصِّيَغَ ثَلَاثٌ: أَحَدُهَا أَنْ يُقَيَّدَ الظَّرْفُ فَيَقُولُ لَا جُنَاحَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَسِيسِ وَعِنْدَ عَدَمِ الْفَرْضِ، فَيَقْتَضِي ارْتِفَاعُ الْجُنَاحِ فِي كُلٍّ مِنْ الْوَقْتَيْنِ سَوَاءٌ وُجِدَ الْآخَرُ أَمْ لَا. الثَّانِيَةُ أَنْ لَا يُقَيَّدَ الظَّرْفُ وَيُقَيَّدُ حَرْفُ النَّفْيِ، فَنَقُولُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَسِيسِ وَعَدَمِ الْفَرْضِ فَيَقْتَضِي ارْتِفَاعَ الْجُنَاحِ عِنْدَ عَدَمِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَإِثْبَاتَهُ عِنْدَ أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ وَقْتٌ وَاحِدٌ يُضَافُ إلَى الْعَدِمِينَ، بِخِلَافِ الصِّيغَةِ الْأُولَى فَإِنَّهَا تَقْتَضِي وَقْتَيْنِ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ لَا يُقَيَّدَ الظَّرْفُ وَلَا حَرْفُ النَّفْيِ فَنَقُولُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَسِيسِ وَالْفَرْضِ فَهُوَ ظَرْفٌ وَاحِدٌ وَعَدَمٌ وَاحِدٌ لِلْأَمْرَيْنِ فَيَقْتَضِي ارْتِفَاعَ الْجُنَاحِ عِنْدَ عَدَمِ مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ. وَنَعْنِي بِعَدَمِهِمَا هُنَا عَدَمَ كُلٍّ مِنْهُمَا فَيَقْرَبُ مَعْنَاهُ مِنْ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الثَّانِيَةَ تُفِيدُ عَدَمَ كُلِّ وَاحِدٍ صَرِيحًا وَيَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْمَجْمُوعِ وَيُفْهَمُ إثْبَاتُهُ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ أَحَدِهِمَا.
وَالثَّالِثَةُ: تُفِيدُ عَدَمُ الْمَجْمُوعِ نُصَّا وَعَدَمُ كُلٍّ مِنْهُمَا ظَاهِرًا لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ عَدَمُ الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ حَتَّى يَسْتَمِرَّ الْحُكْمُ عِنْدَ عَدَمِ أَحَدِهِمَا وَوُجُودِ الْآخَرِ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ خِلَافُهُ. وَإِنَّمَا قُلْنَا الظَّاهِرُ خِلَافُهُ. لِأَنَّ إسْنَادَ الْعَدَمِ إلَيْهِمَا يَقْتَضِي إسْنَادَهُ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَيْسَ هُوَ كَنَفْيِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.