لَا يَنْظُرُونَ فِي الْعَوَاقِبِ، وَقَدْ تَزَهَّدَ خَلْقٌ كَثِيرٌ فَأَخْرَجُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ احْتَاجُوا فَدَخَلُوا فِي مَكْرُوهَاتٍ. وَالْحَازِمُ مَنْ يَحْفَظُ مَا فِي يَدِهِ، وَالْإِمْسَاكُ فِي حَقِّ الْكَرِيمِ جِهَادٌ، كَمَا أَنَّ إخْرَاجَ مَا فِي يَدِ الْبَخِيلِ جِهَادٌ، وَالْحَاجَةُ تُحْوِجُ إلَى كُلِّ مِحْنَةٍ، قَالَ بِشْرٌ الْحَافِي: لَوْ أَنَّ لِي دَجَاجَةً أَعُولُهَا خِفْت أَنْ أَكُونَ عَشَّارًا١ عَلَى الْجِسْرِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: مَنْ كَانَ بِيَدِهِ مَالٌ فَلْيَجْعَلْهُ فِي قَرْنِ ثَوْرٍ، فَإِنَّهُ زَمَانٌ مَنْ احْتَاجَ فِيهِ كَانَ أَوَّلَ مَا يَبْذُلُ دِينَهُ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَبَعْدُ فَإِذَا صَدَقَتْ نِيَّةُ الْعَبْدِ وَقَصْدُهُ رَزَقَهُ اللَّهُ وَحَفِظَهُ مِنْ الذُّلِّ، وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ} [الطلاق: ٢] ، الْآيَةَ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَوْ بِغَرِيمِهِ أَوْ بِكَفَالَتِهِ أَثِمَ "وهـ م" وَلِلشَّافِعِيَّةِ أَوْجُهٌ، ثَالِثُهَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُمَوِّنُهُ لَا فِي نَفْسِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إنْ لَمْ يَضُرَّ فَالْأَصْلُ الِاسْتِحْبَابُ، وَجَزَمَ فِي الرِّعَايَةِ بِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّصَدُّقُ قَبْلَ الْوَفَاءِ وَالْإِنْفَاقِ الْوَاجِبِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: ٩] .
وَمَنْ أَرَادَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلِّهِ فَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ وَعَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ جَازَ وَدَلِيلُهُمْ يَقْتَضِي الِاسْتِحْبَابُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ وَغَيْرِهَا، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْمَالِكِيُّ أَنَّهُ جَوَّزَهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ، وَعَنْ عُمَرَ رَدَّ جَمِيعَ صَدَقَتِهِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ الشَّامِ يَنْفُذُ فِي الثُّلُثِ، وَعَنْ مَكْحُولٍ فِي النِّصْفِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الْمُسْتَحَبُّ الثُّلُثُ. قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنْ لَمْ يعلم لم يجز. ذكره
ــ
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
١ العشار: من يأخذ على السلع مكسا. "المعجم الوسيط": "عشر".
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.