النهيُ عَنْ بيعِ مَا ليسَ عِنْدَكَ وَرُخِّصَ فِي السَّلَمِ، فشرطُ العنديةِ في البيعِ لسببِ المقدرةِ على التسليمِ، ثُمَّ أُسْقِطَ هذا الشرطُ في السَّلَمِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مشروعاً، حتى كَانَتِ العنديةُ في السَّلَمِ مُفْسِدَةً لَهُ، وَإِنَّمَا سَقَطَ هذا الشرطُ فيه، تَيْسِيراً على المحتاجِينَ لِيَتَوَصَّلُوا إِلَى مقاصدِهِمْ مِنَ الأَثْمَانِ قَبْلَ إدراكِ غَلاَّتِهِمْ، مَعَ توصلِ صاحبِ الدراهمِ إلى مقصودِهِ مِنَ الربحِ، فَكَانَ رخصةً.
وَمِثْلُهُ: الْمُسَاقَاةُ وَالْقِرَاضُ وَالإِجَارَةُ وَالْعَرَايَا، وَقَدْ صَحَّ الحديثُ بالتصريحِ فيها بالرخصةِ، فَقَالَ: (وَأُرَخِّصُ فِي الْعَرَايَا) فَلَوْ مَثَّلَ بِهِ الْمُصَنِّفُ لَكَانَ أَحْسَنُ، وَلأَنُّ الْغَزَالِيُّ فِي (الْمُسَتَصْفَى) تَرَدَّدَ في ذَلِكَ فَقَالَ: قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ رخصةً لأَنَّ عُمُومَ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ مَا ليسَ عِنْدَهُ يُوجِبُ تحريمَهُ.
قَالَ: (١٩ أ) وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: السَّلَمُ عقدٌ آخرُ، فَهُوَ بَيْعُ دَيْنٍ، وذلكَ بَيْعُ عَيْنٍ، فَافْتَرَقَا وافتراقُهُمَا في الشرطِ لاَ يُلْحِقُ أَحَدَهُمَا الرُّخَصَ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَجَازاً، وَأَنَّ قولَ الراوِي: نَهْيٌ عَنْ بَيِعِ مَا ليسَ عِنْدَكَ، وَأُرَخِّصُ فِي السَّلَمِ ـ تَجُوزُ فِي العبارةِ.
قُلْتُ: وقريبٌ مِنْ هذينِ الاحتمالَينِ وَجْهَانِ نَقَلَهُمَا المَاوَرْدِيُّ: أَنَّ السَّلَمَ أَصْلٌ بنفسِهِ، أَوْ عَقْدُ غَرَرٍ، جُوِّزَ للحاجةِ كالإجارةِ، وَأَمَّا الاعتراضُ بِأَنَّهُ قَدْ يُنْدَبُ السَّلَمُ، بِأَنْ يُحْتَاجَ إلى مَالِ الصبيِّ فَيُسْلَمَ فيه، فضعيفٌ؛ لأَنَّ ذَلِكَ لأمرٍ عارضٍ، ليسَ لِكَوْنِهِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.