وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللهُ اللهُ)) .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ أَنَّ الْعَذَابَ يَقَعُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ - أُمَّةِ الدَّعْوَةِ وَأُمَّةِ الْإِجَابَةِ - خَاصَّةً بِالظَّالِمِينَ وَالْفَاسِقِينَ لَا عَامًّا لِلْبَشَرِ كُلِّهِمْ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَعُمُّ أَفْرَادَ مَنْ يَقَعُ فِيهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللهُ - تَعَالَى -: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) (٦: ٦٥) وَكُلُّ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ وَاقِعَةٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِيمَنْ يَأْتِي بَعْدُ، أَيْ بَعْدَ عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَقَدْ ظَهَرَتْ فِي هَذَا الْعَصْرِ بِأَشْكَالٍ لَمْ تَكُنْ تَخْطُرُ عَلَى بَالِ بَشَرٍ فِي الْعُصُورِ السَّابِقَةِ وَهِيَ عَذَابُ الطَّيَّارَاتِ الْجَوِّيَّةِ، وَالْأَلْغَامِ الْأَرْضِيَّةِ، وَالْغَوَّاصَاتِ الْبَحْرِيَّةِ، وَتَفَرُّقُ الْأَقْوَامِ إِلَى شِيَعٍ فِي الْعَدَاوَاتِ فَوْقَ الْمَعْهُودِ مِمَّنْ قَبْلَهُمْ، وَقَدْ فَصَّلْنَا ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِهَا مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ.
كَذَلِكَ يَكْثُرُ فِي الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِثْلَ مَا عُذِّبَ بِهِ الْأَقْوَامُ الْأَوَّلُونَ الْمُجْرِمُونَ الظَّالِمُونَ، مِنَ الطُّوفَانِ الْخَاصِّ وَخَسْفِ الْأَرْضِ وَحُسْبَانِ النَّارِ مِنَ الْبَرَاكِينِ وَالصَّوَاعِقِ، وَشِدَّةِ الْقَيْظِ الْمُحْرِقِ لِلنَّبَاتِ الْقَاتِلِ لِلْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ، وَقَدِ اشْتَدَّتْ هَذِهِ الْأَنْوَاعُ فِي هَذَيْنِ الْعَامَيْنِ فَكَانَتْ عَلَى أَشُدِّهَا فِي صَيْفِ عَامِنَا هَذَا (١٣٥٣ هـ - ١٩٣٤ م) فِي أَمْرِيكَةَ وَأُورُبَّةَ وَلَا سِيَّمَا إِنْكِلْتِرَةُ وَالْهِنْدُ وَالتُّرْكُ وَالْفُرْسُ وَالشَّرْقُ الْأَقْصَى، وَخُسِفَتْ بَعْضُ الْأَرْضِ بِالزَّلَازِلِ فِي الْهِنْدِ، وَحَدَثَ فِي مِصْرَ وَسُورِيَّةَ وَالْعِرَاقِ وَشَمَالِ إِفْرِيقِيَّةَ شَيْءٌ مِنَ الْجُوعِ وَهَلَاكِ الْحَرْثِ وَنَقْصِ الْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ، وَهِيَ مِمَّا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ أَيْضًا، وَلَا يَزَالُ الْقَيْظُ عَلَى أَشُدِّهِ فِي الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ وَإِنْكِلْتِرَةَ.
وَنَسْأَلُ اللهَ - تَعَالَى - أَنْ يُجِيرَ مِصْرَ مِنْ طُغْيَانٍ فِي النِّيلِ كَطُغْيَانِ بَعْضِ أَنْهَارِ الصِّينِ وَالْهِنْدِ أَخِيرًا وَفَرَنْسَةَ قَبْلَهُمَا، عِقَابًا لَنَا بِظُلْمِ الظَّالِمِينَ مِنْ حُكَّامِنَا وَفِسْقِ الْفَاسِقِينَ مِنْ دَهْمَائِنَا، اللهُمَّ قَدْ كَثُرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَقَلَّ مَنْ يَعْرِفُكَ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَمَنْ يَدْعُوكَ وَحْدَكَ فِي السَّرَّاءِ أَوِ الضَّرَّاءِ، اللهُمَّ،
وَلَا تُهْلِكْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا، وَأَدِمْ لَنَا هَذَا النِّيلَ رَحْمَةً، وَلَا تَجْعَلْ مِنْهُ عُقُوبَةً لِلْأُمَّةِ.
اعْتِبَارُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمَصَائِبِ الْعَامَّةِ وَتَوْبَتُهُمْ رَجَاءَ رَفْعِهَا:
كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ إِذَا وَقَعَ عَذَابٌ مِثْلُ هَذَا يَعْتَبِرُونَ وَيَتَذَكَّرُونَ اللهَ - تَعَالَى - فَيَتُوبُونَ إِلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ، كَمَا كَانَ أَنْبِيَاؤُهُمْ يُوصُونَهُمْ وَيُعَلِّمُونَهُمْ أَنَّ التَّوْبَةَ إِلَى اللهِ وَاسْتِغْفَارَهُ مِنَ الذُّنُوبِ - وَلَا سِيَّمَا الظُّلْمُ وَالْفِسْقُ - مِنْ أَسْبَابِ إِدْرَارِ الْغَيْثِ وَالرِّزْقِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ١١: ٣
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.