فِي تَعْظِيمِ الصَّالِحِينَ فِي الْآيَةِ (٣١) بِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ خَزَائِنُ اللهِ فَيَقْدِرُ عَلَى رِزْقِهِمْ أَوْ نَفْعِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا يَقُولُ إِنَّهُ مَلَكٌ يَتَصَرَّفُ فِي تَدْبِيرِ الْعَالَمِ بِإِقْدَارِ اللهِ إِيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فَعَلُوا، إِذْ صَارُوا يَدْعُونَ غَيْرَ اللهِ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ عِنْدَهُ وَالْمُقَرَّبِينَ إِلَيْهِ بِزَعْمِهِمْ، وَتَقَدَّمَ مِثْلُهَا عَنْ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْآيَةِ (٥٠) مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَفِي مَعْنَاهُمَا مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ (٧: ١٨٨) وَمِنْ سُورَةِ يُونُسَ (١٠: ٤٩) .
ثُمَّ تَأَمَّلْ فِي قِصَّةِ هُودٍ آيَةَ: - إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ - ٥٦ إِلَخْ، وَفِي مَعْنَاهُ تَوَكُّلُ شُعَيْبٍ فِي الْآيَةِ (٨٨) ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِأَمْرِ نَبِيِّنَا - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ - عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: - وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ - ١٢٣ فَجَمَعَ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَهِيَ أَعْلَى تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَالتَّوَكُّلِ وَهُوَ أَعْلَى تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَنُعَزِّزُ هَذِهِ الشَّوَاهِدَ بِمَا يَأْتِي عَنِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - فِي الْبَابِ الثَّالِثِ وَلَا سِيَّمَا الْفَصْلُ الثَّالِثُ مِنْهُ.
(الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي صِفَاتِهِ - تَعَالَى -) :
فِي السُّورَةِ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ وَالْأَفْعَالِ: الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ الْوَكِيلُ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ الْحَفِيظُ الْقَرِيبُ الْمُجِيبُ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ الرَّقِيبُ الْوَدُودُ الْبَصِيرُ، فَمِنْهَا مَا وُصِفَ بِهِ - تَعَالَى - مُفْرَدًا، وَمَا وُصِفَ بِهِ مُقْتَرِنًا بِغَيْرِهِ، وَمَا اتَّصَلَ بِمُتَعَلِّقِهِ، وَلِكُلٍّ مِنْهَا أَتَمَّ الْمُنَاسِبَةَ لِمَوْضُوعِهِ فِي مَوْضِعِهِ، مِمَّا يَذَّكَّرُ الْمُتَدَبِّرُ لَهُ بِتَدْبِيرِهِ - تَعَالَى - لِأُمُورِ عِبَادِهِ، وَيَزِيدُهُ إِيمَانًا بِمَعْرِفَةِ جَلَالِهِ وَجَمَالِهِ، وَكَمَالِهِ فِي صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَرَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ لِلْمُحْسِنِينَ، وَتَرْبِيَتِهِ وَعِقَابِهِ لِلْمُجْرِمِينَ وَالظَّالِمِينَ، وَحَسْبُكَ شَاهِدًا عَلَيْهِ فِي نَفْسِكَ تَدَبُّرُ إِحَاطَةِ عِلْمِهِ - تَعَالَى - بِمَا تُسِرُّ وَتُعْلِنُ فِي الْآيَةِ الْخَامِسَةِ: - أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ - فَلَا تَغْفَلَنَّ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي أَيُّهَا التَّالِي لِلْقُرْآنِ أَوِ الْمُسْتَمِعُ لَهُ فَيَفُوتُكَ مِنَ الْعِرْفَانِ وَغِذَاءِ الْإِيمَانِ، مَا أَنْتَ فِي أَشَدِّ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِتَزْكِيَةِ نَفْسِكَ، الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ الْوَسَائِلِ لِفَلَاحِكَ وَسَعَادَتِكَ، فَإِنَّ تَأَمُّلَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ بَيَانِ شُئُونِهِ - تَعَالَى - فِي الْعِبَادِ، أَقْوَى تَفْقِيهًا فِي الدِّينِ وَتَكْمِيلًا لِلْعِرْفَانِ مِنْ تَكْرَارِ الِاسْمِ الْوَاحِدِ مِرَارًا كَثِيرَةً كَمَا يَفْعَلُ الْمُتَصَوِّفَةُ الْمُرْتَاضُونَ، وَمُقَلِّدَتُهُمُ الْمُرْتَزَقُونَ، وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ الْمُتَأَوِّلُونَ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: - قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ - ٦: ٩١ فَاسْمُ الْجَلَالَةِ هَنَا مُبْتَدَأٌ لِجُمْلَةٍ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ حُذِفَ خَبَرُهُ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلُهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: - قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى ٦: ٩١ إِلَخْ. وَالْمَعْنَى: قُلِ اللهُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَهُ، فَهُوَ لَيْسَ اسْمًا مُفْرَدًا يُكَرَّرُ تَعَبُّدًا.
وَمِثْلُهُ تَأَوُّلُهُمْ لِحَدِيثِ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللهُ اللهُ " رَوَاهُ أَحْمَدُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.