(الْفَصْلُ الثَّانِي فِي سُنَنِ الطَّبَائِعِ وَالْغَرَائِزِ الْبَشَرِيَّةِ) :
(وَفِيهِ بِضْعَةُ شَوَاهِدَ) :
(سُنَّتُهُ - تَعَالَى - فِي اخْتِبَارِ الْبَشَرِ لِأَجْلِ إِحْسَانِ كُلِّ عَمَلٍ) :
(الشَّاهِدُ الْأَوَّلُ) بَيَّنَ اللهُ - تَعَالَى - لَنَا بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ آنِفًا مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حِكْمَتَهُ الْعُظْمَى فِيهِ لِلْبَشَرِ بِقَوْلِهِ: - لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا - ٧ فَإِنَّ إِحْسَانَهُمْ لِأَعْمَالِهِمُ الَّتِي أَعَدَّهُمْ لَهَا هِيَ الَّتِي تُظْهِرُ مَا فِي هَذَا الْخَلْقِ عُلْوِيِّهِ وَسُفْلِيِّهِ مِنَ الْحِكَمِ وَالْأَسْرَارِ الَّتِي لَا حَدَّ لَهَا وَلَا نِهَايَةَ، بَيَّنَ هَذَا بِأُسْلُوبِ الِالْتِفَاتِ عَنِ الْخَبَرِ إِلَى الْخِطَابِ الْعَامِّ، وَيَا لَهُ مِنْ أُسْلُوبٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ ضَرِيبٌ فِي كَلَامِ بُلَغَاءِ الْبَشَرِ، ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْهُ إِلَى خِطَابِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: - وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ - ٧ وَفِي هَذَا الْخَبَرِ الْمُؤَكَّدِ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ بَيَانٌ لِسُنَّتَيْنِ مِنْ سُنَنِ اللهِ - تَعَالَى - فِي الْبَشَرِ، إِحْدَاهَا فِي حَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِ اجْتِمَاعِهِمْ، وَمَوْضِعُهَا الْفَصْلُ الثَّالِثُ، وَالْأُخْرَى فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ غَرَائِزِهِمْ وَطِبَاعِهِمْ، وَهِيَ أَنَّهُمْ إِذَا أُخْبِرُوا بِشَيْءٍ لَمْ تَصِلْ إِلَى إِدْرَاكِهِ عُقُولُهُمْ أَنْكَرُوهُ، عَلَى أَنَّهُمْ مُسْتَعِدُّونَ بِالْفِطْرَةِ لِلْعِلْمِ بِكُلِّ شَيْءٍ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: - وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا - ٢: ٣١ فَإِذَا قَالَ لَهُمُ الرَّسُولُ الْمُخْبِرُ إِنَّ هَذَا الْخَبَرَ عَنِ اللهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَجَاءَهُمْ بِالْآيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ مِنْ عِلْمِيَّةٍ أَوْ عَقْلِيَّةٍ يَعْجِزُونَ عَنْ مِثْلِهَا قَالَ أَكْثَرُهُمْ: - إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ - أَيْ: بَيِّنٌ ظَاهِرٌ، يَعْنُونَ أَنَّهُمْ مَا عَجَزُوا عَنْ مِثْلِهَا إِلَّا لِأَنَّ لَهَا سَبَبًا خَفِيًّا عَلَيْهِمْ قَدْ يَعْرِفُهُ غَيْرُهُمْ وَقَدْ يَعْرِفُونَهُ بَعْدُ، فَهَذِهِ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِهِ - تَعَالَى - فِيهِمْ فِي حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِمُ النَّاقِصَةِ الْمُتَعَارِضَةِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي مَحَلِّهِ مِنْ قَبْلُ، وَالْمُرَادُ هُنَا التَّذْكِيرُ لَا تَفْصِيلُهُ وَتَحْقِيقُهُ.
(غَرِيزَةُ النَّاسِ فِي الْعَجَلِ وَالِاسْتِعْجَالِ) :
الشَّاهِدُ الثَّانِي: قَوْلُهُ - تَعَالَى - عَقِبَ ذَلِكَ: - وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ - ٨ الْآيَةَ، يُرْشِدُنَا إِلَى سُنَّتَيْنِ مِنْ سُنَّتِهِ - تَعَالَى - فِي غَرَائِزِ الْبَشَرِ وَفِي اجْتِمَاعِهِمْ كَاللَّتَيْنِ فِيمَا قَبْلَهُ، نُرْجِئُ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْفَصْلِ الثَّالِثِ، وَنُبَيِّنُ الْأَوْلَى بِأَنَّ مِنْ طِبَاعِهِمُ الْعَجَلَةَ وَالِاسْتِعْجَالَ لِمَا يَطْلُبُونَ مِنْ خَيْرٍ لِلتَّمَتُّعِ بِهِ، وَمَا يُنْذَرُونَ مِنْ شَرٍّ يُنْكِرُونَهُ لِلِاحْتِجَاجِ عَلَى بُطْلَانِهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي تَفْسِيرِ: - وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ - ١٠: ١١ فَرَاجِعْهُ فِي ص ٢٥٤ وَمَا بَعْدَهَا ج١١ ط الْهَيْئَةِ.
(غَرِيزَةُ الْفَرَحِ بِالنِّعْمَةِ وَالْيَأْسِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ) الشَّاهِدَانِ: الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ فِي الْآيَتَيْنِ ٩ و١٠ بَيَانٌ لِغَرِيزَتَيْنِ مُتَقَابِلَتَيْنِ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ، بَيَّنَّاهُمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنَ الْبَابِ الْخَامِسِ مِنَ الْوَجْهِ الْبَشَرِيِّ وَهُمَا: فَرَحُ الْبَطَرِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.