السُّنَنِ عُلَمَاءُ الْكَلَامِ، فَطَفِقُوا يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ فِي خَلْقِ اللهِ الْكُفْرَ وَالضَّلَالَ لِلْإِنْسَانِ حَتَّى يَكُونَ عَاجِزًا عَنِ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ: هَلْ هُوَ جَائِزٌ مِنَ الْخَالِقِ عَقْلًا وَشَرْعًا وَوَاقِعٌ فِعْلًا، أَمْ هُوَ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ وَيُنَزَّهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ يُنَافِي الْعَدْلَ وَالْحِكْمَةَ؟ وَأَيُّ الْآيَاتِ فِيهِ يَجِبُ تَأْوِيلُهَا؟ وَالْحَقُّ إِنْ شَاءَ اللهُ مَا قُلْنَا فَلَا تَأْوِيلَ.
الشَّاهِدُ التَّاسِعُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: - وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً - ١١٨ نَصٌّ فِي أَنَّ سُنَّتَهُ - تَعَالَى - فِي الْبَشَرِ أَنْ يَتَفَرَّقُوا بِمُقْتَضَى الْغَرِيزَةِ إِلَى شُعُوبٍ وَقَبَائِلَ، وَيَكُونُوا مُخْتَلِفِينَ فِي الْعُقُولِ وَالْأَفْهَامِ وَالْمَنَازِعِ، وَفِي اللُّغَاتِ وَالْأَدْيَانِ وَالشَّرَائِعِ، وَمُتَنَازِعِينَ فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَنَافِعِ.
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي سُنَنِ الِاجْتِمَاعِ وَالْعُمْرَانِ وَفِيهِ بِضْعَةَ عَشَرَ شَاهِدًا) :
(سُنَّةُ اللهِ فِي تَوْبَةِ الْأُمَمِ مِنَ الذُّنُوبِ كَالْأَفْرَادِ) (الشَّاهِدُ الْأَوَّلُ) أَمَرُ الْقُرْآنُ الْأُمَمَ كَالْأَفْرَادِ بِاسْتِغْفَارِ الرَّبِّ وَالتَّوْبَةِ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فِي الْآيَاتِ ٣ و٥٢ و٩٠، وَجَعْلُهُمَا سَبَبًا وَشَرْطًا لِمَا وَعَدْنَا بِهِ مِنَ التَّمْتِيعِ الْمَادِّيِّ وَالْفَضْلِ الْمَعْنَوِيِّ فِي الْأُولَى، وَمِنْ إِدْرَارِ الْغَيْثِ وَزِيَادَةِ الْقُوَّةِ فِي الثَّانِيَةِ بِصَرَاحَةِ الْمَنْطُوقِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ حَفْظِ النِّعَمِ بِدَلَالَةِ الْمَفْهُومِ فِي الثَّالِثَةِ، فَالْآيَاتُ الثَّلَاثُ بَيَانٌ لِسُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الِاجْتِمَاعِ، وَهُوَ أَنَّ الصَّلَاحَ وَالْإِصْلَاحَ سَبَبٌ لِارْتِقَاءِ الْأَقْوَامِ وَالْأُمَمِ وَحِفْظِهَا، كَمَا أَنَّهُ سَبَبٌ لِارْتِقَاءِ الْأَفْرَادِ، وَالْخِطَابُ هُنَا لِلْأَقْوَامِ لَا لِلْأَفْرَادِ، وَمَا كُلُّ فَرْدٍ يُعَاقَبُ عَلَى ذُنُوبِهِ فِي الدُّنْيَا، وَلَكِنْ كُلُّ أُمَّةٍ تُعَاقَبُ عَلَى ذَنْبِهَا فِي الدُّنْيَا، وَعِقَابُهَا نَوْعَانِ فَصَّلْنَاهُمَا مِنْ قَبْلُ (أَحَدُهُمَا) دِينِيٌّ، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِهْلَاكِ أَقْوَامِ الرُّسُلِ بِتَكْذِيبِهِمْ لَهُمْ وَظُلْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ حَسَبَ إِنْذَارِهِمْ، وَمِثَالُهُ عِقَابُ الْحُكَّامِ لِمُخَالِفِي شَرَائِعِهِمْ وَقَوَانِينِ حُكُومَتِهِمْ. (وَثَانِيهِمَا) أَثَرٌ طَبِيعِيٌّ اجْتِمَاعِيٌّ لِذَنْبِهَا الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِفُشُوِّهِ فِيهَا، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا مُفَصَّلًا، وَنَذْكُرُهُ فِي شَوَاهِدِ هَذَا الْفَصْلِ مُجْمَلًا، وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ مَعْرُوفَةً لِلْمُهْتَدِينَ بِالْقُرْآنِ مِنْ سَلَفِنَا الصَّالِحِ، وَمِنَ الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَلَى نَفْسِهِ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ لِتَذْكِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقُرْبِهِ وَشَبَهِهِ بِهِ فَتَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ، كَانَ مِمَّا قَالَهُ الْعَبَّاسُ فِي دُعَائِهِ: اللهُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ وَلَمْ يُرْفَعْ إِلَّا بِتَوْبَةٍ. إِلَخْ.
أَمَّا كَوْنُ الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ سَبَبًا لِانْحِطَاطِ الْأُمَمِ وَضَعْفِهَا وَهَلَاكِهَا، فَسَيَأْتِي فِي آخِرِ هَذَا الْفَصْلِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ سَبَبًا لِقِلَّةِ الْمَطَرِ وَالْقَحْطِ أَوِ الطُّوفَانِ وَالْجَوَائِحِ فَلَيْسَ مِمَّا ثَبَتَ فِي عِلْمِ الِاجْتِمَاعِ ; لِأَنَّ الِانْقِلَابَاتِ الْجَوِّيَّةَ لَا يَعْرِفُ لَهَا الْبَشَرُ اتِّصَالًا بِالذُّنُوبِ الشَّخْصِيَّةِ وَلَا الْقَوْمِيَّةِ الَّتِي تُوصَفُ بِالِاجْتِمَاعِيَّةِ. وَلَقَدْ شَرَحْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْعِلَاوَةِ الرَّابِعَةِ لِحَادِثَةِ الطُّوفَانِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.