وَيُذِلُّهُمْ لَكَ وَيَجْعَلُ رُؤْيَاكَ حَقًّا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَوْمَئِذٍ بِمَا آتَاكَ اللهُ، أَوِ الْآنَ بِمَا يُؤْتِيكَ فِي عَاقِبَةِ هَذِهِ الْفِعْلَةِ الَّتِي فَعَلُوهَا بِكَ، أَوْ بِهَذَا الْوَحْيِ فِي الْجُبِّ وَهُوَ الْمَرْتَبَةُ الْأَوْلَى مِنْ مَرَاتِبِ التَّكْلِيمِ الْإِلَهِيِّ لِلْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ التَّمْهِيدِ لَهُ بِالرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ. وَقَدْ هَوَّنَ اللهُ - تَعَالَى - عَلَى يُوسُفَ مُصِيبَتَهُ بِهِ فَعَلِمَ أَنَّهَا مُصِيبَةٌ فِي الظَّاهِرِ نِعْمَةٌ فِي الْبَاطِنِ، وَقَدْ نَقَلُوا عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ طَغَوْا فِي الْقَسْوَةِ عَلَيْهِ وَالتَّنْكِيلِ بِهِ، فَقَالُوا وَفَعَلُوا مَا لَا يَصْدُرُ مِثْلُهُ إِلَّا عَنْ رِعَاعِ النَّاسِ وَأَرَاذِلِ الْمُجْرِمِينَ الظَّالِمِينَ، وَمَا هِيَ إِلَّا الْإِسْرَائِيلِيَّاتُ الْمُنَفِّرَةُ مِنَ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ.
وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ أَيْ جَاءُوهُ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ إِذْ خَالَطَ سَوَادُ اللَّيْلِ بَقِيَّةَ بَيَاضِ النَّهَارِ فَمَحَاهُ، حَالَ كَوْنِهِمْ يَبْكُونَ لِيُقْنِعُوهُ بِمَا يَبْغُونَ وَقَدْ بَيَّنَهُ - تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: (قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ) أَيْ ذَهَبْنَا مِنْ مَكَانِ اجْتِمَاعِنَا إِلَى السِّبَاقِ يَتَكَلَّفُ كُلٌّ مِنَّا أَنْ يَسْبِقَ غَيْرَهُ، فَالِاسْتِبَاقُ تَكَلُّفُ السَّبْقِ وَهُوَ الْغَرَضُ مِنَ الْمُسَابَقَة، وَالتَّسَابُقُ بِصِيغَتَيِ الْمُشَارَكَةِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الْغَلَبُ، وَقَدْ يُقْصَدُ لِذَاتِهِ أَوَ لِغَرَضٍ آخَرَ فِي السَّبْقِ. وَمِنْهُ: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) فَهَذَا يُقْصَدُ بِهِ السَّبْقُ لِذَاتِهِ لَا لِلْغَلَبِ، وَقَوْلُهُ الْآتِي فِي هَذِهِ السُّورَةِ: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ) ٢٥ كَانَ يَقْصِدُ بِهِ يُوسُفُ الْخُرُوجَ مِنَ الدَّارِ هَرَبًا مِنْ حَيْثُ تَقْصِدُ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ بِاتِّبَاعِهِ إِرْجَاعَهُ، وَصِيغَةُ الْمُشَارَكَةِ لَا تُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى. وَلَمْ يَفْطَنِ الزَّمَخْشَرِيُّ - عَلَّامَةُ اللُّغَةِ - وَمَنْ تَبِعَهُ لِهَذَا الْفَرْقِ الدَّقِيقِ.
(وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا) مِنْ فَضْلِ الثِّيَابِ وَمَاعُونِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ
مَثَلًا يَحْفَظُهُ، إِذْ لَا يَسْتَطِيعُ مُجَارَاتَنَا فِي اسْتِبَاقِنَا الَّذِي تُرْهَقُ بِهِ قُوَانَا (فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) إِذْ أَوْغَلْنَا فِي الْبُعْدِ عَنْهُ فَلَمْ نَسْمَعْ صُرَاخَهُ وَاسْتِغَاثَتَهُ (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا) أَيْ بِمُصَدِّقٍ لَنَا فِي قَوْلِنَا هَذَا، لِاتِّهَامِكَ إِيَّانَا بِكَرَاهَةِ يُوسُفَ وَحَسَدِنَا لَهُ عَلَى تَفْضِيلِكَ إِيَّاهُ عَلَيْنَا فِي الْحُبِّ وَالْعَطْفِ وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ فِي الْأَمْرِ الْوَاقِعِ أَوْ نَفْسِ الْأَمْرِ، أَوْ وَلَوْ كُنَّا عِنْدَكَ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ وَالصِّدْقِ مَا صَدَّقْتَنَا فِي هَذَا الْخَبَرِ لِشِدَّةِ وَجْدِكَ بِيُوسُفَ.
(وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْفَذَّةِ فِي بَلَاغَتِهَا، أَنَّهُمْ جَاءُوا بِقَمِيصِهِ مُلَطَّخًا ظَاهِرُهُ بِدَمٍ غَيْرِ دَمِ يُوسُفَ، يَدَّعُونَ أَنَّهُ دَمُهُ لِيَشْهَدَ لَهُمْ بِصِدْقِهِمْ فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى كَذِبِهِمْ، فَنَكَّرَ الدَّمَ وَوَصَفَهُ بِاسْمِ الْكَذِبِ مُبَالَغَةً فِي ظُهُورِ كَذِبِهِمْ فِي دَعْوَى أَنَّهُ دَمُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ هُوَ الْكَذِبُ بِعَيْنِهِ، فَالْعَرَبُ تَضَعُ الْمَصْدَرَ مَوْضِعَ الصِّفَةِ لِلْمُبَالَغَةِ كَمَا يَقُولُونَ: شَاهِدٌ عَدْلٌ، وَمِنْهُ، فَهُنَّ بِهِ جُودٌ وَأَنْتُمْ بِهِ بُخْلٌ، وَقَالَ: (عَلَى قَمِيصِهِ) لِيُصَوِّرَ لِلْقَارِئِ وَالسَّامِعِ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلَى ظَاهِرِهِ وَضْعًا مُتَكَلَّفًا، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَثَرِ افْتِرَاسِ الذِّئْبِ لَهُ لَكَانَ الْقَمِيصُ مُمَزَّقًا وَالدَّمُ مُتَغَلْغِلًا فِي كُلِّ قِطْعَةٍ مِنْهُ، وَلِهَذَا كُلِّهِ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا) هَذَا إِضْرَابٌ عَنْ تَكْذِيبٍ صَرِيحٍ تَقْدِيرُهُ: إِنَّ الذِّئْبَ لَمْ يَأْكُلْهُ، بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.