عُمَرُ عنْدَ ذلك بُكَاءً شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ: سَأَلْتُكِ بِاللَّه: هَلْ تَعْلَمِين أَنَّ رَسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- شَبعَ مِنْ خُبزِ بُرٍّ عَشَرَة أَيَّامٍ، أو خَمْسَة، أو ثَلَاثَة؟ أَوْ جَمَع بين عشاءٍ وغداءٍ حتى لحق باللَّه؟ فقالت لا، فأقبل عَلى عَائِشةَ فَقالَ: هَلْ تَعْلَمِين أَنَّ رَسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قُرِّب إلَيْه طَعَامٌ عَلَى مَائِدةٍ فِى ارْتَفاعِ شبْرٍ منَ الأَرْضِ؟ كَانَ يَأمُرُ بالطَّعام فَيُوضَعُ عَلَى الأَرْضِ وَيأمُر بالمائِدةِ فَتُرْفَعُ؟ قَالَتا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقَالَ لَهُمَا: أَنْتُما زَوْجَتَا رَسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَأمَّهَاتُ المُؤمنين وَلَكُما عَلَى أمِيرِ (*) المؤمنينَ حقٌّ وَعَلى خَاصَّةً، ولِكنْ أَتَيْتُمانى تُرَغبانى فِى الدُّنْيا، وإنِّى لَا أَعْلَمُ أن رَسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-[لَبس جُبَّةً من الصوف فربما رقَّ جلده من خشونتها، أتعلمان ذلك؟ قالتا: اللهم نعم، قال: فهل تعلمين أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-] (* *) كَانَ يَرْقُد عَلَى عَباءَةٍ عَلَى طَاقَةٍ واحدة، وكان مِسْحًا (* * *) في بَيْتِك يَا عائشةُ يكُونُ بالنهارِ بسَاطًا وَبالليلِ فِرَاشًا، فَندْخُل فَنرَى أَثَر الحَصِير عَلَى جَنْبِه، أَلَا يَا حَفْصَةُ أنْتِ حدثتنى أَنَّك أَثنيتِ لَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَوَجَدَ لِينَهَا فَرَقَدَ عَلَيه فَلَم يَسْتَيْقظ إلَّا بأَذَانِ بِلالٍ، فَقَالَ لَكِ يَا حَفْصَةُ: مَاذَا صَنعْت؟ أَثْنَيْت المِهَاد لَيْلتِى حَتى ذَهَبَ بِى النَّومُ إلَى الصَّباح، مَالِى وللِدُّنْيَا، ومَا للدُّنيَا وَمَالِى؟ ! شَغَلْتُموَنى بِلين الفرَاشِ! ! يَا حفْصَةُ: أَمَا تَعْلَمِين أنَّ رَسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كَان مَغْفورًا لَه مَا تَقَدَّمَ مِنَ ذَنْبهِ وَما تَأَخَر؟ أَمْسَى جَائعًا، وَرَقَد سَاجِدًا، فَلَمْ يزل رَاكِعًا وسَاجِدًا باكيًا ومُتَضرِّعًا في آنَاءِ الليْل والنَّهارِ إلى أَنْ قَبَضَهُ اللَّه إلَى رَحْمتِه وَرِضْوانِه، لَا أَكَلَ عُمَرُ طَيِّبا ولَا لَبِسَ لَيِّنًا، فَلَه أُسْوَةٌ بصَاحِبَيْه، ولا جَمَعَ بَيْنَ أُدْمَيْن إلَّا المِلْحِ والزَّيت، وَلَا أَكَلَ لَحْمًا إلَّا فِى كُلِّ شَهْرٍ حتَّى يَنْقَضِى من قضى من القوم، فخرجنا فخبرنا بذلك أصحاب رَسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فَلَمْ يَزَلْ بذلك حَتَّى لَحِقَ باللَّه -عَزَّ وَجَلَّ-".
كر (١).
(*) زيادة على ما في الكنز.(* *) الزيادة من الكنز.(* * *) مِسْحا: المسح -بوزن الملح-: البيلاس، وهو ثوب من الشعر غليظ، المختار ٤٩٤.(١) الأثر أورده الكنز، جـ ١٢ ص ٦٣٧ كتاب (الفضائل) فضائل الفاروق -رضي اللَّه عنه-: زهده -رضي اللَّه عنه- برقم ٣٥٩٥٩ الأثر بلفظه وعزوه.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.