عَلَيْهَا كَكِلَابٍ عَاوِيَةٍ وَسِبَاعٍ ضَارِيَةٍ، يَهِرُّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَيَقْهَرُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا، وَكَثِيرُهَا قَلِيلَهَا، قَدْ أَضَلَّتْ أَهْلَهَا عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، وَسَلَكَتْ بِهِمْ طَرِيقَ العَمَى، وَأَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنْهَجِ الصَّوَابِ، فَتَاهُوا فِى حَيْرَتِهَا، وَغَرِقُوا فِى فِتْنَتِهَا، واتَّخَذُوهَا رِيَاءً فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَلَعِبُوا بِهَا، وَنَسُوا مَا وَرَاءَهَا، فإِيَّاكَ يَا بُنَىَّ: أَنْ تَكُونَ مِثْلَ مَنْ قَدْ شَانَتْهُ بِكَثْرَةِ عُيُوبِهَا! أَىْ بُنَىَّ: إِنَّكَ إِنْ تَزْهَدْ فِيمَا قَدْ زَهَّدْتُكَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَتُعْرِضْ نَفْسَكَ عَنْهَا فَهِىَ أَهْلُ ذَاكَ، فَإنْ كُنْتَ غَيرَ قَابِلٍ نُصْحِى إِيَّاكَ مِنْهَا فَاعْلَمْ يقِينًا أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ، وَلَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ، فَإِنَّكَ فِى سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، فأَجْمِلْ فِى الطَّلَبِ، وَاعْرفْ سَبِيلَ المُكْتَسَبِ فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جرَّ إِلى حَرْبٍ، وَليْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ، وَلَا كُلُّ غَائِبٍ يَؤُوبُ، وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ رِيبَةٍ وَإِنْ سَاقَتْكَ، إِيَّاكَ أَنْ تَعْتَاضَ بمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسكَ عِوَضًا، وَقَدْ جَعَلَكَ الله بِهِ حُرّا، وَمَا مَنْفَعَةُ خَيْرٍ لَا يُدْرَكُ بالْيَسِيرِ، وَيَسِيرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِالْعَسِيرِ، وَإيَّاكَ أَنْ تَرْجُفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَعِ فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ، وَإِن اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الله ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ، فَإِنَّكَ مُدْرِكٌ قَسْمَكَ، وآخِذٌ سَهْمَكَ، وَإِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ الله أَعْظَمُ وَأَكْرَمُ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنَ الله ولله الْمَثَلُ الأَعْلَى، وَاعْلَمْ أَنَّ لَكَ فِى يَسِيرٍ مِمًّا تَطْلُبُ فَتَنَال مِنَ الْمُلُوكِ افْتِخارًا، وَبَيْعُ عِرْضِكَ وَدِينِكَ عَلَيْكَ عَارٌ، فَاقْتَصِدْ فِى أَمْرِكَ تَحْمِدْ بَعْضَ عَقْلِكَ، إِنَّكَ لَسْتَ بَائِعًا شَيْئًا مِنْ عِرْضِكَ وَدِينِكَ إِلَّا بِثَمَنٍ، وَالْمَغُبُونُ مَنْ حُرِمَ نَصِيبَهُ مِنَ الله، فَخُذْ مِنَ الدُّنْيَا مَا أَتَاكَ، وَتَوَلَّ عَمَّا تَولَّى عَنْكَ فإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فأَجْمِلْ فِى الطَّلَبِ، وَإِيَّاكَ وَمُقَارَبَةَ مَنْ يَشينُكَ وَتَبَاعَدْ مِنَ السُّلْطَانِ، وَلَا تَأمَنْ خِدَعَ الشَّيْطَانِ، وَمَتَى مَا رَأَيْتَ مُنْكَرًا مِنْ أَمْرِكَ فَأَصْلِحْهُ بِحُسْنِ نَظَرِكَ، فإِنَّ لِكُلِّ وَصْفٍ صِفَةً، وَلِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةً، وَلِكُلِّ أَمْرٍ وَجْهًا، يَنَالُ الأَرِيبُ فِيهِ رُشْدَهُ، ويُهْلِكُ الأَحْمَقُ بِتَعَسُّفِهِ فِيهِ نَفْسَهُ، يَا بُنَىَّ: كَمْ قَدْ رَأَيْتُ مَنْ قِيلَ لَهُ تُحِبُّ أَنْ تُعْطَى الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا مِائَةَ سَنَةٍ بِلَا آفَةٍ وَلَا أَذًى، لَا تَرَى فِيهَا سُوءًا وَيَكُون آخِرُ أَمْرِكَ عَذَابَ الأَبَدِ فَلَا يَقَعُ فِيها وَلَا يُرِيدُهَا، وَرَأَيْتُهُ قَدْ أَهْلَكَ دِينَهُ وَنَفْسَهُ بِالْيَسِيرِ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا، وَهَذَا مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ وَحبَائلِهِ، فَاحْذَرْ مَكِيدَتَهُ وَغُرُورَهُ، يَا بُنَىَّ: أَمْلِكْ عَلَيْكَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.