ووجْهُ الاستدلال أن ابن عمر أجاب سائله إذْ سأله عن طُولِ مُكْثِ المسافرِ في مكانٍ بعينه؛ لأنه هو والصحابةُ الذين كانوا بأذربيجانَ أقاموا مدَّةً أطولَ من هذه شهرينِ أو أربعةَ أشهرٍ في هذه الرواية، فكانوا يقصرون، ثم وكَّد الاستدلالَ بأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقصُر في السفر، فكأنه يقول للسائل: ثَبَتَ مِن فِعْل رسولِ الله صلى الله عليه وسلم القصرُ في السفر، ولم يثبتْ لديهم أنه جَعَلَ لذلك حدًّا معيَّنًا فيما إذا أطال المسافرُ الْمُكْثَ في مكانٍ ما، وأنَّه هو ومَنْ معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذوا هذا على إطلاقه فأطالوا المكثَ وقَصَرُوا، وأنه لو كان عند واحدٍ منهم سُنَّةٌ في تحديد وقتٍ معيَّنٍ للمُكْثِ لَمَا سَكَتَ على ذلك ولَأَبانَهُ لهم حتى لا يُصَلُّوا صلاةَ المسافرين، وهذا قويٌّ دقيقٌ فيما أرى. انتهى من تحقيق أحمد شاكر على المسند.
وقد أفتى بذلك من التابعينَ أبو العاليةِ الرِّياحيُّ، واسمُه: رُفَيْعُ بن مِهرانَ البصريُّ؛ قال عثمانُ الطويلُ عن أبي العالية الرِّياحيِّ قال: خطبنا أبو بكر فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لِلْمُقِيمِ أَرْبَعٌ، وَلِلظَّاعِنِ رَكْعَتَانِ، مَوْلِدِي بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرِي بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا خَرَجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ فَصَاعِدًا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهَا» فقلتُ لرُفَيْعٍ: إني آتي البلدَ فأُقيمُ به شهرينِ أفأقصُر الصلاةَ. قال: نعم، وإنْ أقمتَ به خمسين سَنَةً حتى ترجع إلى قارِّكَ (١١).