قال الشيخ السيِّد سابق حفظه الله: المسافر يقصُر الصلاةَ ما دام مسافرًا، فإنْ أقامَ لحاجةٍ ينتظر قضاءها قَصَرَ الصلاةَ كذلك لأنه يُعتبر مسافرًا، وإنْ أقام سنين فإنْ نَوَى الإقامةَ مدَّةً معيَّنةً فالذي اختاره ابن القيم أن الإقامةَ لا تخرج عن حُكم السفر سواءٌ طالتْ أمْ قصُرتْ ما لم يستوطن المكانَ الذي أقامَ فيه، وللعلماء في ذلك آراء كثيرة لَخَّصها ابنُ القيم. انتهى من كتاب فقه السُّنة.
ردُّ شُبَهِ المخالفين:
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: أنَّه صلى الله عليه وسلم أقامَ بتبوكَ عشرين يومًا يقصُر الصلاةَ (١٢)، ولم يقُل للأمَّة: لا يقصُر الرجُلُ الصلاةَ إذا أقام أكثر من ذلك. ولكن اتَّفقتْ إقامتُه هذه المدَّة، وهذه الإقامةُ في حالِ السفرِ لا تخرج عن حُكم السفر سواءٌ طالتْ أو قصُرتْ إذا كان غير مستوطِنٍ ولا عازمٍ على الإقامة بذلك الموضع.
وقد اختلفَ السلفُ والخلَفُ في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ ففي صحيح البخاري (١٣) عن ابن عباسٍ رضي الله عنه قال: أقامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره تسْعَ عشرةَ يُصلِّي ركعتينِ، فنحن إذا أقَمْنا تسعَ عشرةَ نُصلِّي ركعتينِ، وإذا زِدْنا على ذلك أتْمَمْنا.
وظاهر كلام أحمد أن ابن عباسٍ أراد مدَّةَ مُقامه بمكة زمنَ الفتح؛ فإنه قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثمانَ عشرةَ زمنَ الفتحِ; لأنه أراد حُنَيْنًا ولم يكنْ، ثُمَّ أجْمَعَ الْمُقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس.
وقال غيره: بلْ أرادَ ابنُ عباسٍ مُقامَه بتبوكَ؛ كما قال جابر بن عبد الله: أقامَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بتبوكَ عشرين يومًا يقصُر الصلاةَ. رواه الإمام أحمد (١٤).
وقال عبد الرحمن بنُ الْمِسْورِ بن مخرمة: أقمْنا مع سعدٍ ببعض قُرَى الشام أربعين ليلةً يقصُرها سعدٌ ونُتِمُّها (١٥).