وقد قال أصحابُ أحمد: إنه لو أقامَ لجهادِ عدوٍّ أو حبسِ سُلطانٍ أو مَرَضٍ قَصَرَ، سواءٌ غَلَبَ على ظنِّه انقضاءُ الحاجةِ في مدَّةٍ يسيرةٍ أو طويلةٍ. وهذا هو الصواب، لكنْ شَرَطوا فيه شرطًا لا دليل عليه مِن كتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجماعٍ ولا عملِ الصحابة؛ فقالوا: شَرْطُ ذلك احتمالُ انقضاءِ حاجتِهِ في المدَّة التي لا تقطع حُكمَ السفر، وهي ما دون الأربعةِ الأيامِ.
فيُقال: مِن أين لكم هذا الشرطُ؟ ! والنبيُّ لَمَّا أقامَ زيادةً على أربعة أيامٍ يقصُر الصلاةَ بمكة وتبوك ولم يقُل لهم شيئًا، ولم يبيِّن لهم أنه لم يَعْزِم على إقامة أكثر من أربعةِ أيامٍ، وهو يعلم أنهم يقتدونَ به في صلاته ويتأسَّوْنَ به في قَصْرِها في مدَّةِ إقامته، فلمْ يقُل لهم حرفًا واحدًا: لا تقصُروا فوق إقامةِ أربع ليالٍ. وبيانُ هذا من أهمِّ المهمَّات، وكذلك اقتداء الصحابة به بَعْده ولم يقولوا لِمَنْ صلَّى معهم شيئًا من ذلك.
ثم ساق -رحمه الله- مذاهبَ جماعةٍ آخرينَ من أهل العلم، وما سبق يتضمَّن الردَّ عليهم. انتهى من زاد المعاد.
فوائد ومهمات:
الأولى: قال ابن القيم رحمه الله: والأئمَّة الأربعة متَّفقون على أنه إذا أقامَ لحاجةٍ ينتظر قضاءها يقول: اليومَ أخرجُ، غدًا أخرجُ، فإنه يقصُر أبدًا، إلَّا الشافعيَّ في أحد قولَيْهِ فإنه يقصُر عنده إلى سبعةَ عشَرَ أو ثمانيةَ عشَرَ يومًا ولا يقصُر بعدها، وقد قال ابنُ المنذر في إشرافه: أجمعَ أهلُ العلم أن للمسافر أن يقصُر ما لم يُجمِع إقامةً وإنْ أتى عليه سنون. انتهى من زاد المعاد.
الثانية: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: والمدَّة التي في حديث أنسٍ يُستدَلُّ بها على من نوى الإقامةَ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم في أيام الحجِّ كان جازمًا بالإقامة تلك المدة. انتهى من فتح الباري.