مثلًا الذين حددوا الحيض بأن أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يومًا نقول: هاتوا الدليل، وإلا لا قبول، الذين حددوا مسافة القصر بيومين نقول: هاتوا الدليل، الذين حددوا الإقامة التي تقطع حكم السفر بأربعة أيام نقول: هاتوا الدليل، الذين حددوا الفطرة بصاع نقول: هاتوا الدليل. كل إنسان يحدد أي شيء بتحديد؛ سواء مكان، أو زمان، أو عدد، أي شيء، فيحتاج إلى دليل.
فمثلًا نقول: هؤلاء الذين حددوا دخول وقت الجمعة بارتفاع الشمس قيد رمح، نقول: أين الدليل؟ لأن المعروف أن الجمعة تكون عند الزوال أو بعد الزوال، فحديث أبي هريرة: من اغتسل يوم الجمعة، ثم راح في الساعة الأولى، ثم قال: الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة (٨)، كله يدل على أن هناك فسحة طويلة بين طلوع الشمس ووقت الصلاة.
ذكر المؤلف أثرًا عن عبد الله بن سيدان أنه شهد الجمعة مع أبي بكر وعمر وعثمان، وفيها ما يدل على تقديم الجمعة على الزوال، يقول: شهدت الجمعة مع أبي بكر رضي الله عنه، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره. رواه الدارقطني (٩)، وأحمد، واحتج به.
لكن هذا الحديث لا يستقيم الاستدلال به على أن وقت صلاة الجمعة يكون من ارتفاع الشمس قيد رمح؛ أولًا: الأثر ضعيف، كما قاله النووي وغيره، وراويه يقول عنه البخاري: إنه لا يتابع على حديثه، فهو ضعيف. هذا واحد.