ثانيًا: لو صح هذا الأثر فليس فيه دليل على ما اسْتُدِلَّ به عليه؛ لأن قوله: كانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، يدل على أنها قريبة من النصف، ولو كانت في أول النهار لقال: كانت صلاته وخطبته في أول النهار، فهناك فرق بين أن أقول: قبل النصف وبين أن أقول: في أول النهار؛ لأن (قبل النصف) يعني أنها قريبة؛ ولهذا قال: ثم شهدتها مع عمر، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد انتصف النهار، ومع عثمان إلى أن أقول: قد زال النهار، وهذا يدل على أن صلاة أبي بكر رضي الله عنه كانت قريبة من الزوال؛ ولهذا كان من مفردات الإمام أحمد رحمه الله أن صلاة الجمعة تصح قبل الزوال، لم يقل بذلك أحد من الأئمة الثلاثة، بل هو من المفردات، والأئمة الثلاثة كلهم يقولون: لا تصح إلا بعد الزوال.
لكن هناك قولًا وسطًا يقول: تصح في الساعة السادسة، استنادًا إلى حديث أبي هريرة: من راح في الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ويش يقرب الخامسة؟ بيضة، فإذا خرج الإمام انتهى حضرت الملائكة يستمعون الذكر (٨).
يكون حضور الإمام على مقتضى حديث أبي هريرة في الساعة السادسة؛ ولهذا رجح الموفق رحمه الله في المغني -وهو من أكابر أصحاب الإمام أحمد- أنها لا تصح قبل السادسة، كما ذهب إليه كثير من الأصحاب -ومنهم الخرقي- أنها لا تصح قبل السادسة، ففي أول النهار لا تصح، وهذا القول هو الراجح؛ أنها لا تصح في أول النهار، إنما تصح من السادسة، والأفضل أيضًا -على القول بأنها تصح في السادسة- أن تكون بعد الزوال؛ وفاقًا لأكثر العلماء.
يقول:(وآخره آخر وقت صلاة الظهر) وهذا مجمع عليه، آخر وقتها آخر وقت صلاة الظهر، متى؟ أن يصير ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال.