الشيخ: نعم؛ ولهذا يقول المؤلف:(ويصح النكاح وسائر العقود) يعني: يصح عقد النكاح بعد نداء الجمعة الثاني ( ... ) في البيع، لكنه خص البيع؛ لأنه غالب العقود، وإلا فإن المقصود السعي إلى ذكر الله؛ ولهذا قدَّمه قبل أن يقول:{وَذَرُوا الْبَيْعَ} قال: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}[الجمعة: ٩]، فالذي يظهر أنه لا يجوز أي عقد؛ لا النكاح، ولا الإجارة، ولا الرهن، اللهم إلا شيئًا لا يتعلق بالغير؛ كما لو قال الإنسان بعد نداء الجمعة الثاني: وقفت بيتي -مثلًا- وهذا ليس عقدًا مع أحد.
والصواب أن كل شيء يلهي عن الصلاة فإنه كالبيع، ويكون التنصيص على البيع في الآية؛ لأنه الغالب؛ لأنه لا فرق بين أن تشتري من هذا الرجل شيئًا وبين أن تؤجره بيتك أو سيارتك، أو ترهنه البيت، أو تتفق معه على مساقاة أو على مزارعة، كل هذه توافق البيع في أنه يلهي عن هذا الذكر الذي أمر الله تعالى بالسعي إليه، لكن المؤلف رحمه الله في هذه المسألة أخذ بمذهب أهل الظاهر؛ وهو الاقتصار على لفظ النص فقط {وَذَرُوا الْبَيْعَ}.
فإن قلت: أليست الإجارة بيعًا؟
نقول: بلى، هي بيع، لكنها بيع للمنافع؛ ولذلك ذهب بعض الفقهاء رحمهم الله حتى على المذهب أن عقد الإجارة حرام ولا يصح؛ لأن الإجارة بيع، لكنها بيع للمنافع؛ ولهذا جعلوا الخيار -خيار المجلس- جعلوه ثابتًا في الإجارة؛ لأنها نوع من البيع.
ثم قال المؤلف:(ولا يصح بيع عصير ممن يتخذه خمرًا) فهمنا حكم المسألة الأولى الآن فهمًا تامًّا، وفهمنا أيضًا دليليها، فالبيع بعد نداء الجمعة الثاني ممن تلزمه الجمعة حرام ولا يصح.
ودليله قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}[الجمعة: ٩]، والصحيح أن ذلك شامل لكل ما يكون به الإلهاء عن الحضور؛ من بيع وإجارة ومساقاة ورهن وغير ذلك.