قوله عز وجل:{وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ} أي: فأُدخل السجنَ ودخل معه فتيان، قيل:(مع) يدل على معنى الصحبة واستحداثها، تقول: خرجت مع الأمير. تريد مصاحبًا له، فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له (١).
وقوله:{قَالَ أَحَدُهُمَا} مستأنف، لأنه لم يقل ذلك المنام حال دخوله، ولا هو حال مقدرة، لأن الدخول لا يؤدي إلى المنام. {إِنِّي أَرَانِي} يعني: في المنام، وهي حكاية حال ماضية، أي: أرى نفسي.
وقوله:{أَعْصِرُ خَمْرًا} اختلف فيه، فقيل: تقديره: أعصر عنب خمر، أي: أعصر العنب الذي يكون عصيره خمرًا، فحذف المضاف. وقيل: يعني عنبًا، تسمية للشيء بما يؤول إليه، وذلك أن المعصور ذلك الوقت إنما هو العنب، فسماه خمرًا لما يصير إليه من بعد حكاية لحاله (٢) المستأنفة. وقيل: الخمر بلغة عُمَان اسم للعنب (٣). وحكى الأصمعي عن المعتمر بن سليمان قال: لقيت أعرابيًّا ومعه عنب فقلت له: ما معك؟ فقال: خمر (٤). تعضده قراءة من قرأ:(إني أَرَانِي أعصرُ عنبًا) وهو ابن مسعود - رضي الله عنه - (٥).
وقوله:{أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا}(فوق) يحتمل أن يكون ظرفًا لأحمل، وأن يكون حالًا من الخبز لتقدمه عليه، كقوله:
(١) الكشاف ٢/ ٢٥٥. (٢) في (ب): الحال. (٣) أخرجه الطبري ١٢/ ٢١٥ عن الضحاك، وابن عباس - رضي الله عنهما -. وانظر معاني الزجاج ٣/ ١٠٩. ومعاني النحاس ٣/ ٤٢٦. والنكت والعيون ٣/ ٣٦. (٤) انظر حكاية الأصمعي في المحرر الوجيز ٩/ ٢٩٩. والمعتمر بن سليمان هو الإمام الحافظ القدوة أبو محمد التيمي البصري، محدث ثقة من كبار العلماء، توفي سنة سبع وثمانين ومائة في خلافة هارون الرشيد. (الطبقات - السير). (٥) انظر قراءته - رضي الله عنه - في جامع البيان ١٢/ ٢١٥. والمحتسب ١/ ٣٤٣. والنكت والعيون ٣/ ٣٦. وأضافها ابن عطية ٩/ ٢٩٩ إلى أبي بن كعب رضي الله عنه أيضًا.