عذبة" (١). ولم أر منهم مَنْ أفصح عن مقوِّمات هذا الوصف وشرائط حصولها (٢)، وأنا أبذل مبلغَ جهد الفكر في الكشف عن مَفَاد هذا الوصف، وأُقدِّم ما هو منه وصفٌ للفظ، ثم أُتْبِعه بما هو منه وصفٌ للمعنى على سبيل الاستطراد، وإكمالًا للفائدة.
فأما "الجزالةُ" فهي وصفٌ للفظ مأخوذٌ من صفات الناس، إذِ الجزالة في الإنسان هي جودةُ رأيه، وكمالُ عقله، فبها يكون الإنسانُ كاملَ الإنسانية. وهي في اللفظ، عرّفها ابن مكرم في لسان العرب فقال: "الكلام الجزل: القوي الشديد، واللفظ الجزل خلافُ الركيك". (٣)
وظاهرٌ أن مرجِعَ هذا إلى معنى اللفظ المركَّب أو المفرَد، لا إلى مبناه وصورته، فليست الجزالةُ تنافرَ الحروفِ، ولا تنافرَ الكلمات، ولا غرابة الكلمة. فلْنَتطَلَّبْ حقيقةَ الجزالة عند أئمة النقد، ونتقصَّها من آثار كلماتهم، ونتعرَّفْها من تعَرُّفِ ضدِّها الذي يقابلونها به. فابنُ رشيق في العمدة ذكر الجزالةَ وعطفها على الفخامةِ عطفًا يَظهر منه أنه أراد به التفسير، قال: " [ثم للناس فيما بعد آراء ومذاهب: منهم مَنْ يؤثر اللفظَ على المعنى، فيجعله غايتَه ووكده، وهم فرق: ] قوم يذهبون إلى فخامة الكلام وجزالته على مذهب العرب من غير تصنع، كقول بشار:
إذا ما غَضِبْنَا غضبةً مضريَّةً ... هَتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْسِ أَوْ مَطَرَتْ دَمَا" (٤)
(١) نشرة هارون، ج ١، ص ٧. (٢) وقد خص المصنف موضوع الجزالة ببحث خاص، فراجعه فيما سبق من محتويات هذا القسم من الكتاب. (٣) ساق المصنف كلام ابن منظور بشيء من التصرف، ونورده بتمام لفظه حرصًا على تبين سياقه، قال: "وفي حديث موعظة النساء: قالت امرأة منهن جزلة، أي تامة الخلق. قال [أي أحمد بن يحيى ثعلب]: ويجوز أن تكون ذات كلام جزل، أي قوي شديد. واللفظ الجزل: خلاف الركيك". لسان العرب، ج ١١، ص ١٠٩. (٤) القيرواني: العمدة، ج ١، ص ١٣٢. وفي الديوان: "تُمْطِر" بدل "قطرت". ديوان بشار بن برد، ج ٢/ ٤ (الملحقات)، ص ١٨٤.