وقال أبو البقاء الكفوي في كلياته: "الجزالةُ إذا أُطلقت على اللفظ يُراد بها نقيضُ الرقة، [وإذا أُطلقت على غيره يرادُ بها نقيضُ القلة] ". (٢)
وقلت: قد رأيتُهم يقابلون الجزالةَ مرةً بالرقة، ومرةً بالركاكة، ومرةً بالضعف، ومرةً بالكراهة، فتحصَّل لنا من معنى الجزالة أنها كونُ الألفاظ التي يأتي بها البليغُ - الكاتب أو الشاعر - ألفاظًا مُتعارَفةً في استعمال الأدباء والبلغاء، سالمةً من ضعف المعنى، ومن أثر ضعف التفكير، ومن التكلف، ومما هو مستكرَهٌ في السمع عند النطق بالكلمة أو بالكلام. فهذه الجزالة صفة مدح. وقد مثّلوا للركاكة بقول بعضهم:
(١) ابن الأثير: المثل السائر، ج ١، ص ١٥٢. (٢) الكفوي: الكليات، ص ٣٥٣. (٣) هذا الشعر منسوبٌ إلى أبي العتاهية، قال الأصفهاني: "حدثني عمي، قال: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات، قال: حدثني الزبير بن بكار قال: حدثني ثابت بن الزبير بن حبيب، قال: حدثني ابن أخت أبي خالد الحربي، قال: قال لي الرشيد: احبْس أبا العتاهية وضيِّقْ عليه حتى يقولَ الشعر الرقيق في الغزل، كما كان يقول. فحبسته في بيت خمسة أشبار في مثلها، فصاح: الموت أخرجونِي، فأنا أقول كل ما شئتم، فقلت: قل، فقال: حتى أتنفس، فأخرجته وأعطيته دواةً وقرطاسًا، فقال أبياته التي أولها: مَنْ لِعَبْدٍ أَذَلَّهُ مَوْلَاهُ ... مَا لَهُ شَافِعٌ إِلَيْهِ سِوَاهُ يَشْتَكِي مَا بِهِ إِلَيْه وَيَخْشَاهُ ... وَيَرْجُوهُ مِثْلَ مَا يَخْشَاهُ قال فدفعتها إلى مسرور الخادم فأوصلها، وتقدم الرشيد إلى إبراهيم الموصلي فغنى فيها وأمر بإحضار أبي العتاهية فأحضر. فلما أُحضر، قال له أنشدني قولك: يَا عُتْبَ سَيِّدَتِي أَمَا لَكِ دِينُ ... حَتَّى مَتَى قَلْبِي لَدَيْكِ رَهِينُ =