للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

"والإصابة في الوصف" (١)، المراد بالوصف معناه المصدري وهو التصوير والإيضاح، قال تعالى: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ} [النحل: ٦٢]. وليس المراد ما يرادف الصفةَ من نحو النعت والحال؛ لأن ذلك أخصُّ من المقصود هنا. فإصابةُ الوصف هي أن يصوِّرَ المتكلمُ ما أراد التعبيرَ عنه من المعنى تصويرًا مطابقًا لما عليه الشيءُ الموصوف في الخارج والواقع، من غير انعكاس ولا انتقاض. وضدُّ إصابةِ الوصف الخطأُ فيه كلًّا وهو الغلط، أو بعضًا وهو العيب، أي عيب النقص في التوصيف. والشاعر أكثر تعرضًا لهذا من الكاتب؛ لأن الشاعر يَكثر منه تخيلُ المعاني من غير مشاهدة، فربما أخطأ في تخيله أشياءَ لم يعتد الإحاطةَ بصفاتها، أو خفيَ عنه بعضُ ما يدق من مشاهدته إياها. وقد عُدَّ بشار بن برد من أعجوبات الشعراء؛ إذ كان مع عماه لا يكاد يُخطِئُ في الأوصاف الدقيقة، وحسبك بيته المشهور:

كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤُوسِنَا ... وَأَسْيَافِنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُهْ (٢)


(١) المصدر نفسه.
(٢) ديوان بشار برد، ج ١/ ١، ص ٣٣٥. وفيه "رؤوسهم" عوض "رؤوسنا". قال المصنف (وهو محقق الديوان): "وكتب في الديوان: فوق رؤوسهم، ورواية الأغاني وأكثر كتب العربية: رؤوسنا. والرواية التي في الديوان أرشق؛ لأن النقع وإن كان فوق رؤوس الفريقين، إلا أن الشاعر أراد أن يتوصل بجعل النقع فوق رؤوس الأعداء إلى إفادة أن سيوف جيش قومه كانت واقعةً على رؤوس الأعداء مع ذلك النقع؛ لأن أسيافنا معه أو معطوف عليه، ولو قال: فوق رؤوسنا لما كان لذكر الرؤوس خصوصية، إذ يكفيه أن يقول: فوقنا. وهذا البيت هو الذي أكسب بشارًا شهرة في النبوغ في الشعر، وذلك أنه جمع فيه تشبيهَ مركب بمركب، فجمع تشبيهين في تشبيه". (الحاشية ٢ نفس الصفحة). وقال في مقدمته لديوان بشار: "ومع أن بشارًا كان أعمى، فإنه لم يكن يأتي في شعره بما يُناسب العمى، فإذا قرأتَ شعره لم تشعر بأنه أعمى، وذلك من فرط دقة علمه ووصفه للأشياء، إلا قوله:
فَأَتَيْتُهُنَّ مَعَ الجَرْيِ يَقُودُنِي ... طَرِبًا وَيَا لَكَ قَائِدًا وَمَقُودَا"
وعلق على هذا البيت بقوله: "وقد أفصح بشار عن عماه في قوله: يقودني، وهذا من أصدق شعره". ديوان بشار بن برد، ج ١/ ١، ص ١٩؛ ج ١/ ٢، ص ٢٣١ (الحاشية ٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>