وهؤلاء بهؤلاء، ويجلس بينهم حائرًا، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
وكذلك أفضل أهل زمانه ابن أبي الحديد (١)، فإنه مع بحثه ونظره وتصدّيه للردّ على الرازيّ حتى يقول في قصيدة له [من الطويل]:
وَحَقِّكَ لَوْ أَدْخَلْتَنِي النَّارَ قُلْتُ لِلْـ … لَذِينَ بِهَا قَدْ كُنْتُ مِمَّنْ أُحِبُّهُ
وَأَفْنَيْتُ عُمْرِي فِي فُنُونٍ دَقِيقَةٍ … وَمَا بُغْيَتِي إِلَّا رِضَاهُ وَقُرْبُهُ
أَمَا قُلْتُمُ مَنْ كَانَ فِينَا مُجَاهِدًا … سَيُكْرَمُ مَثْوَاهُ وَيَعْذُبُ شُرْبُهُ
أَمَا رَدَّ شَكَّ ابْنِ الْخَطِيبِ وَزَيْفَهُ … وَتَمْوِيهَهُ فِي الدِّينِ إِذْ حَلَّ خَطْبُهُ
يعترف بأن المعقولات لم تُعطه إلا حَيْرةً، وأنه لم يَصِل منها إلى يقين، ولا علم حيث يقول [من المديد]:
فِيكَ يَا أُغْلُوطَةَ الْفِكَرِ … ضَاعَ دَهْرِي وَانْقَضَى عُمُرِي
سَافَرَتْ فِيكَ الْعُقُولُ فَمَا … رَبحَتْ إِلَّا أَذَى السَّفَرِ
قَاتَلَ اللهُ الأُولَى زَعَمُوا … أَنَّكَ الْمَعْرُوفُ بِالنَّظَرِ
كَذَبُوا إِنَّ الَّذِي ذَكَرُوا … خَارِجٌ عَنْ قُوَّةِ الْبَشَرِ
وقال بعض الطالبين من المتأخّرين، وقد سافر في طلب ربه على هذه الطريق فلم يزدد إلا حيرةً وبُعْدًا من مطلبه حتى قيّض الله له من أخذ بيده، وسلك به على الطريق التي سلك عليها الرسل وأتباعهم، فجعل يَهْتِف بصوته لأصحابه هلمّوا فهذه والله الطريق، وهذه أعلام مكة والمدينة، وهذه آثار القوم لم تنسخها الرياح، ولم تُزلها الأهوية، ثم قال [من الطويل]:
وَكُنْتُ وَصَحْبِي فِي ظَلَامِ مِنَ الدُّجَى … نَسِيرُ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ وَلَا نَدْرِي
وَكُنَّا حَيَارَى فِي الْقِفَارِ وَلَمْ يَكُنْ … دَلِيلٌ لَنَا نَرْجُوا الْخَلَاصَ مِنَ القَفْرِ
ظِمَاءُ إِلَى وِرْدٍ يَبُلُّ غَلِيلَنَا … وَقَدْ قَطَعَ الأعْنَاقَ مِنَّا لَظَى الْحَرِّ
(١) هو عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائنيّ، أبو حامد المعروف بابن أبي الحديد، وُلد سنة (٥٨٦ هـ) في المدائن، وهو من غلاة الشيعة، وأعيان المعتزلة، كاتب شاعر، له كتب، منها: "شرح نهج البلاغة"، و"السبع العلويات"، و"شرح الآيات البينات" للفخر الرازيّ، توفي ببغداد سنة (٦٥٦ هـ). راجع "البداية والنهاية" ١٣/ ١٩٠، و"فوات الوفيات" ١/ ٢٤٨ - ٢٥٠، و"الأعلام" ٣/ ٢٨٩.