وسبب قول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك له ما جاء في حديث الوفد: أنهم لَمّا وَصَلُوا المدينة بادروا إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وأقام الأشجّ عند رحالهم، فجَمَعَها، وَعَقَل ناقته، ولَبِس أحسن ثيابه، ثم أقبل إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فقرّبه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأجلسه إلى جانبه، ثم قال لهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: "تبايعونَ على أنفسكم وقومكم؟ "، فقال القوم: نعم، فقال الأشجّ: يا رسول الله إنك لم تُزاول الرجل عن شيء أشدّ عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا، وترسل معنا مَنْ يدعوهم، فمن اتبعنا كان منّا، ومن أبى قاتلناه، قال:"صدقت، إن فيك خصلتين. . ." الحديث (١).
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فالأناة تربُّصُهُ حتى نظر في مصالحه، ولم يَعْجَل، والحِلمُ هذا القول الذي قاله الدالّ على صحة عقله، وجَوْدة نظره للعواقب (٢).
(١) أخرجه أبو داود بمعناه مختصرًا في "سننه" ٥/ ٣٩٥ برقم (٥٢٢٥) ولفظه: حدثنا محمد بن عيسى بن الطّبّاع، حدثنا مطر بن عبد الرحمن الأعنق، حدثتني أم أبان بنت الوازع بن زارع، عن جدّها زارع، وكان في وفد عبد القيس، قال: لَمّا قدمنا المدينة، فجعلنا نتبادر من رواحلنا، فنُقَبِّل يد النبي - صلى الله عليه وسلم - ورجله، قال: وانتظر المنذر الأشجّ حتى أَتَى عَيْبَتَهُ، فلبس ثوبيه، ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: "إن فيك خَلَّتَين يحبهما الله: الحلم والأناة"، قال: يا رسول الله، أنا أتخلق بهما، أم الله جبلني عليهما؟ قال: "بل الله جَبَلَك عليهما، قال: "الحمد لله الذي جَبَلني على خلتين، يحبهما الله ورسوله". وحسنه الشيخ الألباني دون ذكر رجله. انظر: "صحيح أبي داود" ٣/ ٩١٨. (٢) "إكمال المعلم" ١/ ١٦٦ - ١٦٨.