للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قال مقيده عفا الله عنه: علم من هذا أن الرشوة تطلق على المال المدفوع وعلى الدفع. والله تعالى أعلم. وتلقين خصم يعني أن شهادة من يلقن الخصوم غير جائزة أي يلقنه من الحجة ما يستعين به على خصمه بغير حق، وأما ما يثبت به حقه من ذلك فليس بمانع من القبول. قاله الخرشي وغيره. وفي الحديث: (من ثبَّتَ غَبيًّا في خصومة حتى يفهمها ثبت الله قرمه يوم تزل الأقدام). انتهى. وقال عبد الباقي: لا تجوز شهادة من شأنه تلقين الخصوم، وإن لم يلقن الذي شهد له الآن. انتهى. وقال المواق: قال ابن عات: لا تجوز شهادة مرتش ولا ملقن للخصوم فقيها كان أو غيره، ويضرب على يديه [ويشهد] (١) به في المجالس ويعرف به ويسجل عليه، وقد فعله بعض القضاة بقرطبة بكثير من الفقهاء بمشورة أهل العلم عنده. اهـ.

تنبيه: قال المواق: وسئل بعض الشيوخ المتأخرين عن الهدية تأتي الفقيه عن الفتيا؟ فقال: إن كان ينشط في الفتوى. أهدي إليه أو لم يهد إليه فلا بأس بها، وإلا فلا يأخذها وهذا ما لم تكن خصومة، وإنما يستفتيه في شيء يعرض له والأحسن أن لا يقبل هدية من صاحب فتيا ولا مسألة وهو قول ابن عيشون، وكان يجعل غير ذلك رشوة. وقال عليه الصلاة والسلام: (من شفع لأخيه شفاعة وأهدى إليه هدية فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا) (٢). ومن هذا انقطاع الرعية إلى العلماء والمتعلقين بالسلطان لدفع الظلم عنهم فَيُهَادُونَهُمْ لذلك، وما أُهْدِيَ لفقيه رجاء العون على خصومة فلا يحل له قبولها لأنها رشوة، وكذلك إذا تنازع إليه خصمان فأهْدَيَا إليه جميعا أو أحدهما يرجو أن يعينه في حجة عند حَكَمَ إذا كان ممن يسمع منه فلا يحل له أن يأخذ منهما ولا من أحدهما شيئا على ذلك. انتهى.

وقال البناني عند قوله: "وتلقين خصم" قال الشيخ المسناوي رحمه الله تعالى: من هذا ما يفعله المفتون اليوم لأن الإفتاء إنما كان في الصدر الأول لأحد أمرين: إذا توقف القاضي في الحكم، أو سجل الحكم. إلا أنه خيف أن يكون حكمه لم يصادف محله فيأتون بالحكم مكتوبا للمفتي، وأما


(١) في المواق ج ٨ ص ٢٠٠ ويشهر.
(٢) أبو داود، أبواب الإجارة، رقم الحديث ٣٥٤١ باختلاف يسير.