الحكمة في كل تقدير، ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين (١)، فقال: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ أي: ليهلك أمة ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أي: يخزيهم ويردهم بغيظهم لما لم ينالوا منكم ما أرادوا. ولهذا قال: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا﴾ أي: يرجعوا ﴿خَائِبِينَ﴾ أي: لم يحصلوا على ما أملوا.
ثم اعترض بجملة دلت على أن الحكم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: بل الأمر كله إليّ، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾](٢).
قال محمد بن إسحاق في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم (٣). ثم ذكر تعالى بقية الأقسام، فقال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: مما هم فيه من الكفر فيهديهم بعد الضلالة ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: يستحقون ذلك.
وقال البخاري: حَدَّثَنَا حبان بن موسى، أنبأنا عبد الله، أنبأنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من الفجر يقول: "اللهم العن فلانًا وفلانًا" بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ … ﴾ الآية (٤). وهكذا رواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق، كلاهما عن معمر به (٥).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو النضر، حَدَّثَنَا أبو عقيل - قال أحمد: وهو عبد الله بن عقيل صالح الحديث ثقة - حَدَّثَنَا عمر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم العن فلانًا، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أُمية" فنزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ فتيب عليهم كلهم (٦).
وقال أحمد: حَدَّثَنَا أبو معاوية الغَلابي، حَدَّثَنَا خالد بن الحارث، حَدَّثَنَا محمد بن عجلان، عن نافع، عن عبد الله، أن رسول الله ﷺ كان يدعو على أربعة، قال: فأنزل الله ﷿ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ … ﴾ إلى آخر الآية، قال: وهداهم الله للإسلام (٧).
وقال محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: كان رسول الله يدعو على رجال
(١) يقصد بالكفار المجاهدين: المقاتلين. والله أعلم. (٢) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و (ح) و (حم) و (مح). (٣) سيرة ابن هشام ٣/ ٦١ وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عنه. (٤) صحيح البخاري التفسير، باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (ح ٤٥٥٩). (٥) السنن الكبرى ٦/ ٣١٤ (ح ١١٠٧٥)، وبعد رواية النسائي ورد في الأصل طرف من رواية الإمام أحمد، والمثبت كما في (عف) و (ح) و (حم) و (مح). (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٥٦٧٤) وصححه أحمد شاكر، وأخرجه البخاري من طرق سالم به (الصحيح، المغازي غزوة أحد ح ٤٠٦٩). (٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٥٨١٢) وصححه أحمد شاكر.