وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحديد: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [الحديد: ٢١] وقد روينا في مسند الإمام أحمد أن هرقل كتب إلى النَّبِيّ ﷺ إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال النَّبِيّ ﷺ:"سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟ "(١).
وقد رواه ابن جرير فقال: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد، عن ابن خُثيم، عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلى بن مُرَّة، قال: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص شيخًا كبيرًا قد فُنِّد (٢)، فقال: قدمت على رسول الله ﷺ بكتاب هرقل فناول الصحيفة رجلًا عن يساره، قال: قلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية، فإذا كتاب صاحبي: إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين، فأين النار (٣)؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: "سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار؟ "(٤).
وقال الأعمش وسفيان الثوري وشعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: إن ناسًا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال لهم عمر: أرأيتم إذا جاء النهار أين الليل؟ وإذا جاء الليل أين النهار؟ فقالوا: لقد نزعت مثلها من التوراة (٥). رواه ابن جرير من ثلاثة طرق. ثم قال: حَدَّثَنَا أحمد بن حازم، حَدَّثَنَا أبو نعيم، حَدَّثَنَا جعفر بن برقان، أنبأنا يزيد بن الأصم: أن رجلًا من أهل الكتاب قال: يقولون: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النار؟ فقال ابن عَبَّاس ﵁: أين يكون الليل إذا جاء النهار؟ وأين يكون النهار إذا جاء الليل (٦)؟.
وقد روي هذا مرفوعًا، فقال البزار: حَدَّثَنَا محمد بن معمر، حَدَّثَنَا المغيرة بن سلمة أبو هشام، حَدَّثَنَا عبد الواحد بن زياد، عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه (٧) يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول اللّه ﷺ، فقال: أرأيت قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النار؟ قال:"أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شيء، فأين النهار؟ " قال: حيث شاء الله، قال:"وكذلك النار تكون حيث شاء الله ﷺ "(٨).
وهذا يحتمل معنيين:
(أحدهما): أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا
(١) أخرجه الإمام أحمد مطولًا المسند ٣/ ٤٤١، ٤٤٢ قال الحافظ ابن كثير: هذا حديث غريب وإسناده لا بأس به، تفرد به الإمام أحمد (البداية والنهاية ٥/ ١٥ - ١٦). (٢) أي: كبر وحرم. (٣) كذا في (عف) و (ح) و (حم) و (مح)، وفي الأصل: "فأين الطول النار؟ ". (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه. (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري. (٧) قوله: "عمه"، زيادة من (حم) و (ح). (٨) كشف الأستار بزوائد البزار (ح ٢١٩٦)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ١/ ٣٠٦ ح ١٠٣)، والحاكم (المستدرك ١/ ٣٦) كلاهما من طريق محمد بن معمر به وصححه ووافقه الذهبي. قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٣٣٠).