ثم قال تعالى بعد وصفهم بما وصفهم به: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: جزاؤهم على هذه الصفات ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من أنواع المشروبات ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ يمدح تعالى الجنة.
يقول تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين الذين أصيبوا يوم أُحد وقتل منهم سبعون: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أي: قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم، والدائرة على الكافرين، ولهذا قال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾
ثم قال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ يعني: القرآن فيه بيان الأمور على جليتها وكيف كان الأمم الأقدمون مع أعدائهم ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ يعني: القرآن فيه خبر ما قبلكم. ﴿وَهُدًى﴾ لقلوبكم، ﴿وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: زاجر عن المحارم والمآثم.
ثم قال تعالى مسليًا للمؤمنين: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ أي: لا تضعفوا بسبب ما جرى ﴿وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: العاقبة والنصرة لكم أيها المؤمنون ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أي: إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتل منكم طائفة، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي: نديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت لكم العاقبة لما لنا في ذلك من الحكمة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عَبَّاس: في مثل هذا لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يعني يقتلون في سبيله ويبذلون مُهجهم في مرضاته ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يكفر عنهم من ذنوبهم إن كانت لهم ذنوب. وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به.
وقوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم،
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ أي: أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد، كما قال تعالى في سورة البقرة ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤]. وقال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ١ - ٣] ولهذا قال ههنا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ أي: لا يحصل لكم دخول الجنة حتَّى تُبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله، والصابرين على