سريع أن النَّبِيّ ﷺ أُتي بأسير، فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد، فقال النَّبِيّ ﷺ:"عرف الحق لأهله"(١).
وقوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا عنه، كما قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حَدَّثَنَا إسحاق بن أبي إسرائيل وغيره، قالوا: حَدَّثَنَا أبو يحيى عبد الحميد الحماني، عن عثمان بن واقد، عن أبي نُصَيرة، عن مولى لأبي بكر، [عن أبي بكر](٢)﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما أصرَّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة"(٣). ورواه أبو داود والترمذي والبزار في مسنده من حديث عثمان بن واقد (٤) - وقد وثقه يحيى بن معين به - وشيخه أبو نُصَيرة الواسطي واسمه: مسلم بن عبيد، وثقه الإمام أحمد وابن حبان، وقول علي بن المديني والترمذي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك، فالظاهر أنه لأجل جهالة مولى أبي بكر (٥)، ولكن جهالة مثله لا تضر لأنَّهُ تابعي كبير، ويكفيه نسبته إلى أبي بكر، فهو حديث حسن، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال مجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن من تاب تاب الله عليه (٦)، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤] وكقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠] ونظائر هذا كثيرة جدًّا. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد، أنبأنا جرير، حَدَّثَنَا حبان هو ابن زيد الشرعبي، عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال وهو على المنبر:"ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويلٌ لأقماع (٧) القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون"(٨) تفرد به
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤/ ٣٥٣ ح ١٥٥٨٧) وسنده ضعيف لأن الحسن لم يسمع من الأسود بن سريع، ومحمد بن مصعب صدوق كثير الغلط (التقريب ص ٥٠٧) قال السندي: قوله: عرف الحق لأهله؛ أي: التوبة حق له تعالى فمن قال ذلك فقد عرفها لمستحقها (حاشية المسند). (٢) ما بين معقوفين سقط واستدرك من (عف) و (ح) و (حم) و (مح) والتخريج. (٣) أخرجه الموصلي بسنده ومتنه (المسند ١/ ١٢٤ ح ١٣٧) وسنده ضعيف كما سيأتي. (٤) سنن أبي داود، الصلاة، باب في الاستغفار (ح ١٥١٤)، وسنن الترمذي، الدعوات، باب ما أصرّ من استغفر (ح ٣٥٥٩)، ومسند البزار (ح ٩٣) قال الترمذي: هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث أبي نُصيرة، وليس إسناده بالقوي، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ٣٢٦). (٥) ليس لأجل جهالة أبي بكر بل بسبب عثمان بن واقد أيضًا فهو صدوق ربما وهم (التقريب ص ٣٨٧) ولم يتابع عليه فقد أخرجه المروزي في مسند أبي بكر (ح ١٢٢)، والترمذي وأبو داود والبزار كما تقدم في الحاشية السابقة، والطبري وابن أبي حاتم في تفسيريهما وابن السني في عمل اليوم والليلة (ح ٣٦١)، البيهقي في شعب الإيمان (ح ٦٤٢)، والبغوي في شرح السنة كلهم من طريق عثمان بن واقد به. (٦) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن، وقول عبد الله بن عبيد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح. (٧) الإقماع: جمع قمع وهو الإناء الذي يترك في رؤوس الظروف لتملأ بالمائعات من الأشربة والأدهان (النهاية ٤/ ١٠٩). (٨) أخرجه الإمام بسنده ومتنه (المسند ح ٦٥٤١) وصححه أحمد شاكر، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (المجمع ١٠/ ١٩١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ١/ ٣٠٨.