للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

بكر الصديق (١)، ولكن تقدم في الصحيحين أنه رجل من الأنصار، وهذا هو أصح وأصرح والله أعلم.

والكلام في قوله : "لا تخيروني على موسى" كالكلام على قوله: "لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى" قيل: من باب التواضع، وقيل: قبل أن يعلم بذلك، وقيل: نهى أن يفضل بينهم على وجه الغضب والتعصب وقيل: على وجه القول بمجرد الرأي والتشهي والله أعلم.

وقوله: "فإن الناس يصعقون يوم القيامة" الظاهر أن هذا الصعق يكون في عرصات القيامة يحصل أمر يصعقون منه والله أعلم به. وقد يكون ذلك إذا جاء الرب لفصل القضاء وتجلى للخلائق الملك الدّيان، كما صعق موسى من تجلّي الرب ، ولهذا قال : "فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور"؟.

وقد روى القاضي عياض في أوائل كتابه "الشفاء" بسنده عن محمد بن محمد بن مرزوق، [حدثنا هانئ بن يحيى السلمي (٢)]، حدثنا الحسن، عن قتادة، عن يحيى بن وثاب، عن أبي هريرة عن النبي قال: "لما تجلّى الله لموسى كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ" (٣) ثم قال: ولا يبعد على هذا أن يختص نبينا بما ذكرناه من هذا الباب بعد الإسراء والحظوة بما رأى من آيات ربه الكبرى (٤). انتهى ما قاله، وكأنه صحح هذا الحديث، وفي صحته نظر ولا تخلو رجال إسناده من مجاهيل لا يُعرفون (٥)، ومثل هذا إنما يقبل من رواية العدل الضابط عن مثله حتى ينتهي إلى منتهاه، والله أعلم.

﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾.

يذكر تعالى أنه خاطب موسى بأنه اصطفاه على أهل زمانه برسالاته تعالى وبكلامه، ولا شك


(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب البعث واستدل بأن الذي لطم هو أبو بكر (الفتح ٦/ ٤٤٣).
(٢) في النُسخ بلفظ قتادة، والصواب ما أُثبت حسب ما ذكره شُراح كتاب "الشفاء" إذ صرح به أحمد الشمني مؤلف "مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء" ١/ ٦٩ ونقل ذلك ملا علي القاري عن الحلبي (شرح الشفاء ١/ ١٧٢) علمًا أنه ورد في الشفاء بلفظ: "همام"، وقد صححه الشُراح المذكورون. ويؤيد هذا رواية الطبراني وتعليقه التالي في التخريج، وترجمته في اللسان كما يلي.
(٣) الفرسخ يساوي: ٥،٥٤٤ كيلًا (المقادير في الفقه الإسلامي ص ٧١).
(٤) أخرجه القاضي بسنده ومتنه مع الخلاف الموضح في سابقه (شرح الشفاء ١/ ١٧٢) وسنده ضعيف لضعف هانئ بن يحيى السلمي، قال الحافظ: يروي عن الحسن بن أبي جعفر الرازي قال ابن حبان في الثقات: يخطئ (لسان الميزان ٦/ ١٨٧)، وأخرجه الطبراني من طريق هاني ثم قال: لم يروه عن قتادة إلا الحسن بن أبي جعفر تفرد به هاني بن يحيى. (المعجم الصغير ٧٧)، ومزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء ١/ ٦٩ وفي سنده أيضًا الحسن وهو ابن أبي جعفر ضعيف (التقريب ص ١٦٩).
(٥) قال هذا الحافظ ابن كثير بسبب الخلل في إيراد السند.