للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

أن محمدًا سيد ولد آدم من الأولين والآخرين، ولهذا اختصه الله تعالى بأن جعله خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تستمر شريعته إلى قيام الساعة وأتباعه أكثر من أتباع سائر الأنبياء والمرسلين كلهم، وبعده في الشرف والفضل إبراهيم الخليل ، ثم موسى بن عمران كليم الرحمن ، ولهذا قال الله تعالى له: "فخذ ما آتيتك" أي: من الكلام والمناجاة ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: على ذلك ولا تطلب ما لا طاقة لك به، ثم أخبر تعالى أنه كتب له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلًا لكل شيء.

قيل: كانت الألواح من جوهر وإن الله تعالى كتب له فيها مواعظ وأحكامًا مفصلة مبينة للحلال والحرام، وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص: ٤٣].

وقيل: الألواح أعطيها موسى قبل التوراة والله أعلم، وعلى كل تقدير فكانت كالتعويض له عما سأل من الرؤية ومنع منها والله أعلم.

وقوله: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي: بعزم على الطاعة ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ قال سفيان بن عيينة: حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أمر موسى أن يأخذ بأشد ما أمر قومه (١).

وقوله: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: سترون عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي كيف يصير إلى الهلاك والدمار والتباب.

قال ابن جرير: وإنما قال: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ كما يقول القائل لمن يخاطبه: سأريك غدًا إلامَ يصير إليه حال من خالف أمري! على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره (٢)، ثم نقل معنى ذلك عن مجاهد والحسن البصري (٣).

وقيل: معناه: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: من أهل الشام وأعطيكم إياها وقيل: منازل قوم فرعون، والأولى أولى، والله أعلم لأن هذا بعد انفصال موسى وقومه عن بلاد مصر، وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه. والله أعلم.

﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)

يقول تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: سأمنع فهم الحجج والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي قلوب المتكبرين عن طاعتي ويتكبرون على الناس


(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سفيان بن عيينة به.
(٢) ذكره الطبري بلفظه.
(٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مبارك عنه.