يقول تعالى مجيبًا لموسى في قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٥] قال: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: أفعل ما أشاء وأحكم ما أريد، ولي الحكمة والعدل في كل ذلك سبحانه لا إله إلا هو.
وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الآية عظيمة الشمول والعموم، كقوله تعالى إِخبارًا عن حملة العرش ومن حوله، أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا الجريري، عن أبي عبد الله الجشمي، حدثنا جندب - هو: ابن عبد الله البجلي ﵁، قال: جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها ثم صلّى خلف رسول الله ﷺ، فلما صلّى رسول الله ﷺ أتى راحلته فأطلق عقالها ثم ركبها ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا تشرك في رحمتنا أحدًا، فقال رسول الله ﷺ:"أتقولون هذا أضلُّ أم بعيره ألم تسمعوا ما قال؟ " قالوا: بلى، قال:"لقد حظرت رحمة واسعة، إن الله ﷿ خلق مائة رحمة فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنها وإنسها وبهائمها وأخّر عنده تسعًا وتسعين رحمة، أتقولون هو أضلُّ أم بعيره؟ "(١) رواه أحمد وأبو داود، عن علي بن نصر، عن عبد الصمد بن عبد الوارث به (٢).
وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سليمان، عن أبي عثمان، عن سلمان، عن النبي ﷺ قال:"إن لله ﷿ مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق وبها تعطف الوحوش على أولادها وأخّر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة (٣)، تفرد بإِخراجه مسلم، فرواه من حديث سليمان هو: ابن طرخان وداود بن أبي هند، كلاهما عن أبي عثمان واسمه: عبد الرحمن بن مُلّ، عن سلمان هو الفارسي، عن النبي ﷺ(٤) به".
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:"إِن لله مائة رحمة، عنده تسعة وتسعون، وجعل عندكم واحدة تتراحمون بها بين الجن والإنس وبين الخلق، فإذا كان يوم القيامة ضمّها إليه"(٥) تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "لله مائة رحمة فقسم منها جزءًا واحدًا بين الخلق، به يتراحم الناس والوحش والطير"(٦). ورواه ابن ماجه من حديث أبي معاوية عن الأعمش (٧) به.
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١/ ٩٩ ح ١٨٧٩٩) وضعف سنده محققوه. (٢) سنن أبي داود، الأدب، باب من ليس له غيبة (ح ٤٨٨٥). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٣٩) وسنده صحيح. (٤) صحيح مسلم، التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى (ح ٢٧٥٣). (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٥٥) وسنده حسن. (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٥٥) وسنده صحيح. (٧) سنن ابن ماجه، الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة (ح ٤٢٩٤)، قال البوصيري: صحيح رجاله ثقات (مصباح الزجاجة ٣/ ٣١٨).