للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

أنفسهم من البحائر والسوائب والوصائل والحام ونحو ذلك مما كانوا ضيقوا به على أنفسهم ويحرّم عليهم الخبائث.

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: كلحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي حرمها الله تعالى (١).

قال بعض العلماء: فكل ما أحل الله تعالى من المآكل فهو طيب نافع في البدن والدين وكل ما حرمه فهو خبيث ضار في البدن والدين، وقد تمسك بهذه الآية الكريمة من يرى التحسين والتقبيح العقليين، وأجيب عن ذلك بما لا يتسع هذا الموضع له، وكذا احتج بها من ذهب من العلماء، إلى أن المرجع في حلّ المآكل التي لم ينصّ على تحليلها ولا تحريمها إلى ما استطابته العرب في حال رفاهيتها، وكذا في جانب التحريم إلى ما استخبثته. وفيه كلام طويل أيضًا.

وقوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أنه جاء بالتيسير والسماحة كما ورد الحديث من طرق عن رسول الله أنه قال: "بعثت بالحنيفية السمحة" (٢).

وقال لأميريه معاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: "بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا وتطاوعا ولا تختلفا" (٣).

وقال صاحبه أبو برزة الأسلمي: إني صحبت رسول الله وشهدت تيسيره (٤).

وقد كانت الأمم التي قبلنا في شرائعهم ضيق عليهم، فوسع الله على هذه الأمة أمورها وسهلها لهم ولهذا قال رسول الله : "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل" (٥) وقال: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٦) ولهذا قال: أرشد الله هذه الأمة أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وثبت في صحيح مسلم أن الله تعالى قال بعد كل سؤال من هذه: قد فعلت قد فعلت (٧).

وقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ أي: عظموه ووقروه، وقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أي: القرآن والوحي الذي جاء به مبلغًا إلى الناس ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.


(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسند حسن من حديث عائشة مرفوعًا (المسند ٤١/ ٣٤٩ ح ٢٤٨٥٥).
(٣) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة البقرة آية ١٨٥.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه مطولًا (الصحيح، العمل في الصلاة، باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة ح ١٢١١).
(٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٨٤.
(٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٦٨.
(٧) أخرجه مسلم من حديث ابن عباس صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان أنه لم يكلف إلا ما يطاق (ح ١٢٦).