للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقال القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ثم سار بهم موسى إلى الأرض المقدسة وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، وأمرهم بالذي أمر الله أن يبلغهم من الوظائف، فثقلت عليهم وأبوا أن يقروا بها حتى نتق الله الجبل فوقهم ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ قال: رفعته الملائكة فوق رؤوسهم رواه النسائي (١) بطوله.

وقال سُنيد بن داود في تفسيره: عن حجاج بن محمد، عن أبي بكر بن عبد الله قال: هذا كتاب أتقبلونه بما فيه، فإن فيه بيان ما أحل لكم وما حرم عليكم وما أمركم وما نهاكم؟ قالوا: انشر علينا ما فيها فإن كانت فرائضها وحدودها يسيرة قبلناها. قال: اقبلوها بما فيها. قالوا: لا حتى نعلم ما فيها كيف حدودها وفرائضها؟ فراجعوه مرارًا، فأوحى الله إلى الجبل، فانقلع فارتفع في السماء حتى إذا كان بين رؤوسهم وبين السماء قال لهم موسى: ألا ترون ما يقول ربي ﷿ لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها لأرمينكم بهذا الجبل قال: فحدثني الحسن البصري قال: لما نظروا إلى الجبل خرّ كل رجل ساجدًا على حاجبه الأيسر ونظر بعينه اليمنى إلى الجبل فَرقًا (٢) من أن يسقط عليه، فكذلك ليس اليوم في الأرض يهودي يسجد إلا على حاجبه الأيسر. يقولون: هذه السجدة التي رفعت بها العقوبة قال أبو بكر: فلما نشر الألواح فيها كتاب الله كتبه بيده لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتز، فليس اليوم يهودي على وجه الأرض صغير ولا كبير تُقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونفض لها رأسه [أي حوّل كما قال تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] أي: يحركونها] (٣).

﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾.

يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية على هذه الملة - فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تولد بهيمة جمعاء هل تحسّون فيها من جدعاء" (٤) وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله : "يقول الله: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم" (٥).

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني


(١) أخرجه ابن أبي حاتم والنسائي في طريق القاسم به مطولًا وهو جزء من حديث الفتون (السنن الكبرى، التفسير باب قوله ﷿: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] ح ١١٣٢٦)، وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٦٥ - ٦٦).
(٢) أي خوفًا.
(٣) زيادة من نسخة (عم).
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٩.
(٥) تقدم تخريجه كسابقه.