قلت: الظاهر أن الإمام مالكًا إنما أسقط ذكر نعيم بن ربيعة عمدًا لما جهل حال نعيم بن ربيعة ولم يعرفه فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث، ولذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم، ولهذا يرسل كثيرًا من المرفوعات ويقطع كثيرًا من الموصولات، والله أعلم.
(حديث آخر) قال الترمذي عند تفسيره هذه الآية: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا من نور ثم عرضهم على آدم فقال: أي ربِّ من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلًا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه قال: أي ربِّ من هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأُمم من ذريتك يُقال له: داود. قال ربّ وكم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة. قال: أي ربِّ وقد وهبت له من عمري أربعين سنة، فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ(٢). ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين به وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (٣).
ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه أنه حدث، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر نحو ما تقدم إلى أن قال:"ثم عرضهم على آدم فقال: يا آدم هؤلاء ذريتك، وإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى وأنواع الأسقام فقال آدم: يا ربِّ لم فعلت هذا بذريتي؟ قال: كي تشكر نعمتي. وقال آدم: يا ربّ من هؤلاء الذين أراهم أظهر الناس نورًا؟ قال: هؤلاء الأنبياء يا آدم من ذريتك" ثم ذكر قصة داود كنحو ما تقدم (٤).
(حديث آخر) قال عبد الرحمن بن قتادة النصري، عن أبيه، عن هشام بن حكيم ﵁ أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أتبدأ الأعمال أم قد قضي القضاء؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: "إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم ثم أشهدهم على أنفسهم ثم أفاض بهم في كفيه ثم قال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسّرون لعمل أهل النار" رواه ابن جرير (٥) وابن مردويه من طرق عنه.
(١) العلل للدارقطني ٢/ ٢٢١ - ٢٢٣. (٢) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأعراف (ح ٣٠٧٦) وذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٥٩). (٣) ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٢٥). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم به وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن. (٥) أخرجه الطبري من عدة طرق عن عبد الرحمن بن قتادة به وفي سنده اضطراب وقد أفاض الأستاذ أحمد شاكر في ضبط سنده ثم ختم بقوله: وبعد ذلك كله فمعنى الحديث صحيح مروي عن جماعة من الصحابة بأسانيد ليس فيها هذا الاضطراب.