أعطى، وإذا دُعي به أجاب في غير طاعة ربه، بل دعا به على حزب الرحمن وشعب الإيمان، أتباع عبده ورسوله في ذلك الزمان، كليم الله موسى بن عمران ﵇، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: فيحذروا أن يكونوا مثله، فإن الله قد أعطاهم علمًا وميّزهم على من عداهم من الأعراب، وجعل بأيديهم صفة محمد ﷺ يعرفونها كما يعرفون أبناءهم، فهم أحق الناس وأولاهم باتباعه ومناصرته ومؤازرته كما أخبرتهم أنبياؤهم بذلك وأمرتهم به، ولهذا من خالف منهم ما في كتابه وكتمه فلم يعلم به العباد أحل الله به ذلًا في الدنيا موصولًا بذل الآخرة.
وقوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ يقول تعالى: ساء مثلًا مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا أي ساء مثلهم أن شبهوا بالكلاب التي لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة، فمن خرج عن حيز العلم والهدى وأقبل على شهوة نفسه واتبع هواه صار شبيهًا بالكلب وبئس المثل مثله، ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال:"ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه"(١).
وقوله: ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: ما ظلمهم الله ولكن هم ظلموا أنفسهم بإعراضهم عن اتباع الهدى، وطاعة المولى، إلى الرّكون إلى دار البلى، والإقبال على التحصيل اللّذات وموافقة الهوى.
يقول تعالى: من هداه الله فإنه لا مضلَّ له، ومن أضله فقد خاب وخسر وضل لا محالة، فإنه تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا جاء في حديث ابن مسعود:"إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلَّ له ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" الحديث بتمامه رواه الإمام أحمد وأهل السنن وغيرهم (٢).
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ أي: خلقنا وجعلنا لجهنم ﴿كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ أي: هيأناهم لها وبعمل أهلها يعملون، فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق علم ما هم عاملون قبل كونهم، فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال:"إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء"(٣).
(١) صحيح البخاري، الهبة، باب لا يحلّ لأحد أن يرجع في هبته (ح ٢٦٢٢). (٢) أخرجه أبو داود، السنن، الصلاة، باب الرجل يخطب على قوس (ح ١٠٩٧)، والترمذي في سننه، النكاح، باب خطبة النكاح (ح ١١٠٥)، وحسنه وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٨٨٢)، وأخرجه النسائي في سننه، النكاح، باب ما يستحب من الكلام عند النكاح ٦/ ٨٩، وسنن ابن ماجه، النكاح، باب خطبة النكاح (ح ١٨٩٢)، والإمام أحمد في (المسند ٦/ ٢٦٢ - ٢٦٣ ح ٣٧٢٠) وصححه محققوه. (٣) صحيح مسلم، القدر، باب حِحاج آدم وموسى ﵉ (ح ٢٦٥٣).