وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث عائشة بنت طلحة عن خالتها عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: دُعي النبي ﷺ إلى جنازة صبيّ من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال رسول الله ﷺ:"أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق الجنة وخق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم"(١)، وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود:"ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد"(٢) وتقدم أن الله لما استخرج ذرية آدم من صلبه وجعلهم فريقين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال قال: "هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي"(٣) والأحاديث في هذا كثيرة ومسألة القدر كبيرة ليس هذا موضع بسطها.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ يعني: ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سببًا للهداية، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة] هذا في حق المنافقين. وقال في حق الكافرين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] ولم يكونوا صمًا ولا بكمًا ولا عميًا إلا عن الهدى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال] وقال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] وقال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ [الزخرف].
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾ أي: هؤلاء الذين لا يسمعون الحق ولا يعونه ولا يبصرون الهدى، كالأنعام السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس منها إلا في الذي يقيتها في ظاهر الحياة الدنيا، كقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١] أي: ومثلهم في حال دعائهم إلى الإيمان كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها لا تسمع إلا صوته، ولا تفقه ما يقول. ولهذا قال في هؤلاء ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ أي: من الدوابِّ لأنها قد تستجيب مع ذلك لراعيها إذا أنسَ بها، وإن لم تفقه كلامه بخلاف هؤلاء، ولأنها تفعل ما خلقت له إما بطبعها وإما بتسخيرها، بخلاف الكافر فإنه إنما خلق ليعبد الله ويوحده فكفر بالله وأشرك به، ولهذا من أطاع الله من البشر كان أشرف من مثله من الملائكة في معاده، ومن كفر به من البشر كانت الدوابُّ أتمَّ منه، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لله تسعًا وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر" أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة
(١) صحيح مسلم، القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (ح ٢٦٦٢). (٢) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (ح ٣٢٠٨)، وصحيح مسلم، القدر، الحديث الأول (٢٦٤٣). (٣) تقدم في تفسير الآية ١٧٢ من هذه السورة الكريمة.