ولهذا قال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ولذلك كان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطييبًا لقلوبهم [ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه][١]، كما [٢] شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير فقالوا: يا رسول الله؛ لو استعرضت بنا عُرضَ البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برْكِ العمَاد (*)؛ لسرنا [٣] معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول [٤]: اذهب فنحن معك، وبين يديك، وعن يمينك، وعن [٥] شمالك مقاتلون [٦](٤٤٥). وشاوَرَهم أيضًا أين يكون المنزل؟ حتى أشار المنذر بن عمرو المعنق ليموت [٧] بالتقدم [٨] أمام القوم. وشاورهم في أحد: في [٩] أن يقعد في المدينة، أو يخرج [إلى العدو][١٠]، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم (٤٤٦). وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى ذلك عليه السعدان: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فترك ذلك. وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين؟ فقال له الصديق: أنا لم نجيء لقتال أحد [١١]، وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال.
وقال ﷺ في قصة الإفك (٤٤٧): " أشيروا علي معشر المسلمين في قوم أبنوا (*) أهلي ورموهم، [وايم الله ما علمت على أهلي من سوء، وأبنوهم][١٢] بمن؟ والله ما علمت عليه إلا خيرًا". واستشار عليًّا وأسامة في فراق عائشة ﵂.
فكان ﷺ يشاورهم في الحروب ونحوها، وقد اختلف الفقهاء: هل كان ذلك [١٣] واجبًا عليه، أو من باب الندب تطييبا لقلوبهم؟ على قولين.
(٤٤٥) - قائل ذلك هو المقداد بن عمرو أخرج ذلك البخاري (٣٩٥٢) والنسائي في "التفسير" من "الكبرى" (٦/ ١١٤٠)، وأحمد (١/ ٣٩٠، ٤٢٨) من حديث عبد الله بن مسعود. (٤٤٦) - انظر ما تقدم عند آية رقم (١٢١). (٤٤٧) - يأتي تخريج قصة الإفك في سورة النور.