فيهم، فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث المذكور دون الإِناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث، وفاوت [١] بين الصنفين [٢]، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة، ومعاناة التجارة، والتكسب، وتحمل المشاق [٣]، فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى.
وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالدة بولدها، حيث وصَّى [٤] الوالدين بأولادهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم، كما جاء في الحديث الصحيح، وقد رأى امرأة من السبي [فرّق بينها وبين ولدها، فجعلت][٥] تدور على ولدها، فلما وجدته [من السبي][٦] أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته، فقال رسول الله ﵌ لأصحابه:"أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟! " قالوا: لا يا رسول الله. فقال:"فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها"(١١٧).
وقال البخاري هاهنا (١١٨): حَدَّثَنَا محمد بن يوسف، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع.
وروى [٧] العوفي عن ابن عباس قوله [٨]: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾: وذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا: تعطى المرأة الربع أو الثمن، وتعطى البنت النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم، ولا يحوز الغنيمة! اسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله ﷺ ينساه، أو نقول له فيغير،
(١١٧) صحيح البخاري، كتاب الأدب، (٥٩٩٩)، ومسلم في كتاب التوبة (٢٧٥٤) - كلاهما من حديث زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعًا. (١١٨) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب "ولكم نصف ما ترك أزواجكم" (٤٥٧٨).