ودليل هذا القول، قوله: {لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي} [هود: ٨٩]، أي خلافي (١)، ومنه قول الشاعر (٢):
فكان إليها والّذي اصطاد بكرها ... شقاقا وبعضهن أو لطم وأهجرا
وثانيها: أي: في ضلال. قاله أبو عبيدة (٣)، ومقاتل (٤).ودليله قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما} [النساء: ٣٥]، أي اختلاف بينهما، قال الشاعر (٥):
إلى كم نقتل العلماء قسرا ... ونفجر بالشّقاق وبالنفاق
أي بالضلال والاختلاف (٦).
وثالثها: أن الشقاق: الفراقُ والمحاربة. إذا شَاقَّ فقد حارب، وإذا حَارب فقد شاقَّ، وهما واحدٌ في كلام العرب، ومنه: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} [سورة النساء: ١١٥]. قاله ابن زيد (٧).
ورابعها: أي: في عداوة. قاله الحسن (٨)، وابن سلمة (٩) والسدي (١٠).
يقال: كان كلّ واحد منهما أخذ في شقّ صاحبه، أي في جهده وما يشق عليه من قوله: {إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} [النحل: ٧]، ودليله قوله: {ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأنفال: ١٣]، أي عادوا الله ورسوله (١١).
ومنه قول بشر بن أبي حازم (١٢):
وإلّا فاعلموا انّا وأنتم ... بغاة ما حيينا في شقاق
أي في عداوة (١٣).
قال الزجاج: {هُمْ فِي شِقَاقٍ}: " أي في مشاقة وعداوة ومن هذا قول الناس: فلان قد شق عصا المسلمين، إِنما هو قد فارق ما اجتمعوا عليه من اتباع إِمامهم، وإِنما صار في شق - غير شق المسلمين" (١٤).
وسادسها: أن الشقاق: خلع الطّاعة، وبيانه قوله {وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ} [النساء: ١١٥]. وهذا قول الكسائي (١٥).
(١) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤.
(٢) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: ١/ ٢٨٤.
(٣) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤، ومفاتيح الغيب: ٤/ ٧٤.
(٤) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٢.
(٥) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: ١/ ٢٨٤.
(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤.
(٧) انظر: تفسير الطبري (٢١١٢): ص ٣/ ١١٥.
(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤، ومفاتيح الغيب: ٤/ ٧٤.
(٩) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤.
(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤.
(١١) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤.
(١٢) ديوان بشر الأسدي: ص ١٦٥، والبيت من قصيدة، مطلعها:
أهمت منك سلمى بانطلاق * وليس وصال غانية بباقي
وسبب هذا الشعر كما نقله ابن السيرافي في شرح أبيات سيبويه: أن قوما من آل بدر الفزاريين جاوروا بني لأم من طي، فعمد بنو لأم إلى الفزاريين فجزوا نواصيهم وقالوا: قد مننا عليكم ولم نقتلكم، وبنو فزارة حلفاء بني أسد، فغضب بنو أسد لأجل ما صنع بالبدريين، فأنشأ بشر هذه القصيدة يذكر فيها ما صنع ببني بدر ويقول للطائيين: فإذ قد جززتم نواصيهم فاحملوها إلينا وأطلقوا من قد أسرتم منهم، وإن لم تفعلوا فاعلموا أنا نبغيكم ونطلبكم، فإن أصبنا أحدا منكم طلبتمونا به، فصار كل واحد منا يبغي صاحبه، فنبقى في شقاق وعداوة أبدا. راجع ديوان بشر الأسدي: ص ١٦٥ يهجو أوس بن حارثة وفيه " ما حيينا " بدل " ما بقينا "، وشرح السيرافي: ج ٢ ص ١٤، وخزانة الأدب للبغدادي: ج ١٠ ص ٢٩٧.
(١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤.
(١٤) معاني القرآن: ١/ ٢١٤.
(١٥) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٤.