للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

لزم التكرار وأنه غير جائز، فوجب أن يكون صفة كونه تعالى سميعا أمرا زائدا على وصفه بكونه عليما. والله أعلم بالصواب (١).

وقال الشيخ ابن عثيمين: " قد يقول قائل: يبدو لنا أن المناسب أن يقول: «وهو القوي العزيز» لأنه قال: {فسيكفيكهم الله} فما هو الجواب عن ختمها بالسمع، والعلم؟ فالظاهر لي - والله أعلم - أنه لما كان تدبير الكيد للرسول -صلى الله عليه وسلم- من هؤلاء قد يكون بالأقوال، وقد يكون بالأفعال؛ والتدبير أمر خفي ليس هو حرباً يعلن حتى نقول: ينبغي أن يقابل بقوة، وعزة؛ قال تعالى: {وهو السميع العليم} أي حتى الأمور التي لا يُدرى عنها، ولا يبرزونها، ولا يظهرون الحرابة للرسول -صلى الله عليه وسلم- فإن الله سميع عليم بها؛ هذا ما ظهر لي - والله أعلم -" (٢).

الفوائد:

١ - من فوائد الآية: أنه لا بد أن يكون إيمان اليهود، والنصارى مثل إيمان النبي صلى الله عليه وسلم، وأمته حقيقة، ووصفاً.

٢ - ومنها: أن ما خالف ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم فهو ضلال؛ لأن الله سبحانه وتعالى علق الاهتداء بأن يؤمنوا بمثل ما آمن به الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته.

٣ - ومنها: أنه لا حجة لمن تولى عن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم إلا الشقاق، والمجادلة بالباطل؛ لقوله تعالى: {فإن تولوا فإنما هم في شقاق}.

٤ - ومنها: وقوع الشقاق بين أهل الكتاب، والمسلمين؛ وعليه فلا يمكن أن يتفق المسلمون وأهل الكتاب؛ فتبطل دعوة أهل الضلال الذين يدْعون إلى توحيد الأديان؛ لقوله تعالى: {فإنما هم في شقاق}؛ فاليهود، والنصارى لما لم يؤمنوا صاروا معنا في شقاق؛ وهذا الشقاق لا بد أن يؤدي إلى عداوة، وبغضاء؛ وبالتالي إلى قتال؛ وهكذا وقع: فالمسلمون قاتلوا اليهود، وقاتلوا النصارى - الروم كلهم نصارى -؛ ومن بعد ذلك قاتلوا النصارى في الحروب الصليبية؛ وسيقاتلونهم أيضاً مرة أخرى حتى يدخل الإسلام عاصمتهم الروم؛ ولا بد من هذا في المستقبل بإذن الله؛ وسنقاتل اليهود حتى يختبئ اليهودي بالحجر، والشجر فينادي: «يا عبد الله، هذا يهودي ورائي فاقتله إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود» (٣) فلا يبَلِّغ عنهم.

٥ - ومن فوائد الآية: الوعيد الشديد لهؤلاء المتولين عن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: {فسيكفيكهم الله}.

٦ - ومنها: تكفل الله سبحانه وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنهم إذا لم يؤمنوا بمثل ما آمن المؤمنون، وتولوا، فإن الله سبحانه وتعالى سيكفيه إياهم عن قرب؛ لقوله تعالى: {فسيكفيكهم الله}؛ والحمد لله أنه صار ذلك عن قرب: فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُتوفَّ حتى أجلى اليهود عن المدينة، وفتح حصونهم في


(١) ورد اسم (السميع) في كتاب الله عز وجل خمسا وأربعين مرة، اقترن بـ (العليم) اثنتين وثلاثين مرة؛ فهو أكثر اسم اقترن به، وكان (السميع) أولا في المواضع جميعها، وحتى عندما اقترن بـ (البصير) وبـ (القريب).
(السميع) بمعنى السامع بصيغة المبالغة، وهو سمع مطلق يليق بالله -عز وجل-، ويذكر العلماء هنا أنه -سبحانه- «يسمع دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء»، يسمع ما يتهامس به المتهامسون، ويتناجى به المتناجون، وما تسر به لصاحبك، والكل عنده سبحانه وتعالى سواء.
و(العليم) علم يليق به -سبحانه وتعالى-؛ فهو يعلم كل شيء، ما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن ولو كان كيف يكون، فقد أحاط سبحانه بكل شيء علما. واقتران (السميع) بـ (العليم)، فيه تحذير للعباد ألا يتكلموا بما لا يرضي الله؛ لأنه (سميع عليم)، علمه بالمسموع مباشر ليس عن طريق رسول أو واسطة، وفي اقتران الاسمين تأييد للنبي صلى الله عليه وسلم، كما في (يونس: ٦٥)، وتطمين للمؤمنين إذا هم دعوا الله عز وجل بأنه (سميع عليم) فيجيب الدعاء إذا علم من أحوالهم الصدق والإخلاص.
(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤١.
(٣) خرجه البخاري ص ٢٣٥، كتاب الجهاد والسير، باب ٩٤: قتال اليهود، حديث رقم ٢٩٢٦؛ وأخرجه مسلم ص ١١٨٤، كتاب الفتن، باب ١٨: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، حديث رقم ٧٣٣٩ [٨٢] ٢٩٢٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>