٥ - ومنها: وجوب الإخلاص لله؛ لتقديم المعمول في قوله تعالى: {ونحن له مخلصون}.
القرآن
{أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)} [البقرة: ١٤٠]
التفسير:
بل أتقولون مجادلين في الله: إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط- وهم الأنبياء الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة من ولد يعقوب- كانوا على دين اليهود أو النصارى؟ وهذا كذب؛ فقد بُعِثوا وماتوا قبل نزول التوراة والإنجيل. قل لهم -أيها الرسول-: أأنتم أعلم بدينهم أم الله تعالى؟ وقد أخبر في القرآن بأنهم كانوا حنفاء مسلمين، ولا أحد أظلم منكم حين تخفون شهادة ثابتة عندكم من الله تعالى، وتدَّعون خلافها افتراء على الله. وما الله بغافل عن شيء من أعمالكم، بل هو مُحْصٍ لها ومجازيكم عليها.
قوله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: ١٤٠]، أي" أم تقولون إن امتيازكم باليهودية أو النصرانية التي أنتم عليها إنما كان بأن هؤلاء الأنبياء كانوا عليها" (١).
قال البيضاوي: "يعني: "أيّ الأمرين تأتون المحاجة، أو ادعاء اليهودية، أو النصرانية على الأنبياء" (٢).
قال الزجاج: " كأنهم قالوا لهم: بأي الحجتين تتعلقون في أمرنا؟
أبالتوحيد فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء فنحن متبعون" (٣).
قال الزمخشري: المعنى: " أىّ الأمرين تأتون: ألمحاجة في حكمة اللَّه أم ادّعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء؟ " (٤).
قال ابن كثير: أنكر تعالى عليهم، في دعواهم أن إبراهيم ومن ذكر بعده من الأنبياء والأسباط كانوا على ملتهم، إما اليهودية وإما النصرانية" (٥).
قال ابن عثيمين: أي: " بل أتقولون أن إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاط كانوا على ملة اليهودية، والنصرانية، وهذا من سفه هؤلاء اليهود الذين يدعون ذلك؛ لأن أصل اليهودية، والنصرانية حدثت بعد هؤلاء؛ فكيف يكون هؤلاء هوداً، أو نصارى؟ ! ! ! " (٦).
ولا يخفى بأن هذه دعوى كاذبة؛ فليس هؤلاء هوداً، ولا نصارى؛ بل إن الله سبحانه وتعالى قال موبخاً لهؤلاء مبيناً ضلالهم ــ الذين ادعوا أن إبراهيم كان يهودياً، أو نصرانياً {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين} [آل عمران: ٦٧]، وقال تعالى: {وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون} [آل عمران: ٦٥]؛ فكيف كون يهودياً أو نصرانياً وكتاب اليهود والنصارى لم ينزل إلا من بعد إبراهيم؟ ! ! ! (٧).
وفي قوله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ} [البقرة: ١٤٠]، قراءتان (٨):
(١) تفسير المراغي: ١/ ٢٢٩.
(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٠.
(٣) معاني القرآن: ١/ ٢١٧.
(٤) الكشاف: ١/ ١٩٧.
(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٥١.
(٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١ - ١٠١. [بتصرف بسيط].
(٧) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١٠١.
(٨) انظر: السبعة في القراءات: ١٧١، والحجة: ٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٧، وتفسير الطبري: ٣/ ١٢٢ - ١٢٣، ومفاتيح الغيب: ٤/ ٨١، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٤٦ - ١٤٧.