من الناس - وهم اليهود - ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ قال الله تعالى: {قل لله المشرق والمغرب} إلى آخر الآية" (١).
قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} [البقرة: ١٤٢]، "أي سيقول ضعفاء العقول من الناس" (٢).
قال الطبري: يعني: سيقول الجهال من الناس، وهم اليهود وأهل النفاق" (٣).
قال البيضاوي: " يريد به المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين" (٤).
قال المراغي: " أي سيقول الذين خفّت أحلامهم، وامتهنوا عقولهم بالتقليد والإعراض عن النظر، والتأمل من المنكرين تغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين على جهة الإنكار والتعجب" (٥).
وفي والمراد بـ {السفهاء} [البقرة: ١٤٢]، هَا هُنَا ستة أقوال:
أحدها: أنهم اليهود، وهو قول ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧)، والبراء (٨)، والحسن (٩).
قال الزمخشري: وذلك" لكراهتهم التوجه إلى الكعبة، وأنهم لا يرون النسخ" (١٠).
ومن جهة أخرى أنهم كانوا يأنسون بموافقة الرسول لهم في القبلة، وكانوا يظنون أن موافقته لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يصير موافقا لهم بالكلية، فلما تحول عن تلك القبلة استوحشوا من ذلك واغتموا وقالوا: قد عاد إلى طريقة آبائه، واشتاق إلى دينهم، ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة، فقالوا: ما حكى الله عنهم في هذه الآية (١١).
والثاني: المنافقون، وهو قول السدي (١٢).
قال الزمخشري: " لحرصهم على الطعن والاستهزاء" (١٣).
والثالث: كفار قريش. حكاه الزجاج (١٤)، وقاله الحسن، والأصم (١٥).
إذ أنهم: "قالوا: رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها، واللَّه ليرجعن إلى دينهم" (١٦).
الرابع: أنهم اليهود ومشركو مكة، قاله البغوي (١٧)، والواحدي (١٨).
الخامس: أنهم اليهود وأهل النفاق، قاله الطبري (١٩)، والسمرقندي (٢٠)، وعزاه ابن عطية للسدي (٢١).
(١) أسباب النزول: ٤٢. والحديث أخرجه البخاري (فتح الباري: ١/ ٩٥ - ح: ٤٠، ١/ ٥٠٢ - ح: ٣٩٩) ومسلم (١/ ٣٧٤ - ح: ٥٢٥) والإمام أحمد (الفتح الرباني: ٣/ ١١٥ - ح: ٤٢١)، وابن أبي حاتم (١٣٢٧): ص ١/ ٢٤٨، والترمذي (٥/ ٢٠٧ - ح: ٢٩٦٢) وابن ماجه (١/ ٣٢٢ - ح: ١٠١٠)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٨٧) عن البراء مختصرا. وله شواهد، منها:
١ - ما أخرجه ابن جرير (٢١٦٠): ص ٣/ ١٣٨، من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله، وسنده صحيح.
٢ - ما أخرجه ابن جرير أيضا (٢١٤٩): ص ٣/ ١٣٢، من طريق ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه، وسنده حسن.
٣ - ما أخرجه ابن أبي حاتم أيضا (١٣٢٩): ص ١/ ٢٤٨، من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله، وسنده ضعيف.
(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٩٠.
(٣) تفسير الطبري: ٣/ ١٢٩.
(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٠.
(٥) تفسير المراغي: ٢/ ٥.
(٦) انظر: تفسير الطبري (٢١٤٧): ص ٣/ ١٣٠.
(٧) انظر: تفسير الطبري (٢١٤٢)، و (٢١٤٣): ص ٣/ ١٣٠.
(٨) انظر: تفسير الطبري (٢١٤٤)، و (٢١٤٥)، و (٢١٤٦): ص ٣/ ١٣٠.
(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٣٢٣): ص ١/ ٢٤٧.
(١٠) الكشاف: ١/ ١٩٨.
(١١) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٤، وتفسير الطبري: ٣/ ١٣٩ - ١٤٠، وزاد المسير: ١/ ١٥٣، والنكت والعيون للماوردي: ١/ ١٩٧.
(١٢) انظر: تفسير الطبري (٢١٤٨): ص ٣/ ١٣٠، وابن أبي حاتم (١٣٢٤): ص ١/ ٢٤٧.
(١٣) الكشاف: ١/ ١٩٨.
(١٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢١٨.
(١٥) انظر: مفاتيح الغيب للرازي: ٤/ ٧٩، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٥٣.
(١٦) الكشاف: ١/ ١٩٨.
(١٧) انظر: تفسير البغوي: ١/ ١٥٨.
(١٨) انظر: الوجيز: ١/ ١٣٥.
(١٩) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١٢٩.
(٢٠) انظر: بحر العلوم: ١/ ١٦٣.
(٢١) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢١٨.