قال البيضاوي: " والقبلة: في الأصل الحالة التي عليها الإِنسان من الاستقبال، فصارت عرفاً للمكان المتوجه نحوه للصلاة" (١).
والقبلة: "هي الجهة التي يُصلى نحوها، ولا تصح الصلاة إلا بالاتجاه إليها، والقبلة من شعائر الإسلام، ومما يتميز به المسلمون وحدة قبلتهم، وسميت القبلة قبلة: لأن المصلى يقابلها وتقابله، وقيل لإقبال الناس عليها" (٢).
قال الرازي: "يقال ولاه عنه صرفه عنه وولى إليه بخلاف ولى عنه ومنه قوله: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [الأنفال: ١٦]، وقوله: {ما ولاهم} استفهام على جهة الاستهزاء والتعجب" (٣).
قال الشيخ السعدي: " ودلت الآية على أنه لا يعترض على أحكام الله، إلا سفيه جاهل معاند، وأما الرشيد المؤمن العاقل، فيتلقى أحكام ربه بالقبول، والانقياد، والتسليم كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: ٣٦]، {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: ٦٥]، {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: ٥١]، وقد كان في قوله (السفهاء) ما يغني عن رد قولهم، وعدم المبالاة به" (٤).
وقد ذكر العلماء في هذا (التولي) وجهان (٥):
الوجه الأول: وهو المشهور المجمع عليه عند المفسرين: أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة من بيت المقدس عاب الكفار المسلمين فقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فالضمير في قوله: (ما ولاهم) للرسول والمؤمنين والقبلة التي كانوا عليها هي بيت المقدس.
واختلف أهل العلم في المدة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس بعد الهجرة، على أقوال (٦):
أحدها: تسعة أشهر أو عشرة أشهر. وهذا قول أنس بن مالك رضي الله عنه (٧).
الثاني: ثلاثة عشر شهرا. قاله معاذ (٨).
الثالث: ستة عشر شهرا. قاله سعيد بن المسيب (٩).
الرابع: سبعة عشر شهرا. قاله ابن عباس (١٠)، والبراء بن عازب (١١).
قال الواقدي: "صرفت القبلة يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا" (١٢).
الخامس: سنتان. حكاه الرازي (١٣).
قال الرازي: "وقول ابن عباس أثبت عندنا من سائر الأقوال" (١٤).
(١) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٠.
(٢) عون المعبود ١/ ١٤.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٠.
(٤) تفسير السعدي: ١/ ٧١.
(٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٥.
(٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٥. وتفسير الطبري: ٣/ ١٣٢ - ١٣٧.
(٧) انظر: تفسير الطبري (٢١٥٥): ص ٣/ ١٣٥.
(٨) انظر: تفسير الطبري (٢١٥٦): ص ٣/ ١٣٦.
(٩) انظر: تفسير الطبري (٢١٥٧) ص: ٣/ ١٣٧، و (٢١٥٤) ص: ٣/ ١٣٤.
(١٠) انظر: تفسير الطبري (٢١٤٩) ص: ٣/ ١٣٢ - ١٣٣.
(١١) انظر: تفسير الطبري (٢١٥٠)، و (٢١٥١)، و (٢١٥٢)، و (٢١٥٣) ص: ٣/ ١٣ - ١٣٤.
(١٢) مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٠.
(١٣) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٠.
(١٤) مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٠.