قال الراغب:" الوسط في الأصل اسم للمكان الذي يستوي إليه المساحة من الجوانب في المدورة، ومن الطرفين في المطول كالنقطة من الدائرة ولسان الميزان من العمود، ويجعل عبارة عن العدل، وكذلك السواء والنصف، وشبه به كل ما وقع بين طرفين إفراط وتفريط كالجود بين السرف والبخل والشجاعة بين التهور والجبن"(١).
وهذا القول الأخير اختاره الطبري، إذ يقول:" وأنا أرى أن (الوسط) في هذا الموضع، هو (الوسط) الذي بمعنى: الجزءُ الذي هو بين الطرفين، مثل (وسَط الدار) محرَّك الوَسط مثقَّله، غيرَ جائز في " سينه " التخفيف. وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم (وسَط)، لتوسطهم في الدين، فلا هُم أهل غُلوٍّ فيه، غلوَّ النصارى الذين غلوا بالترهب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هُم أهلُ تقصير فيه، تقصيرَ اليهود الذين بدَّلوا كتابَ الله، وقتلوا أنبياءَهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه. فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبَّ الأمور إلى الله أوْسطُها"(٢).
وقد اعترض على رأيه الحافظ ابن حجر، قائلا:"لا يلزم من كون الوسط في الآية صالحاً لمعنى التوسط أن لا يكون أريد به معناه الآخر، كما نص عليه الحديث"(٣).
قلت: أن جميع الأقوال السابقة متقاربة في المعنى وغير متنافية. والله أعلم.
قوله تعالى:{لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}[البقرة: ١٤٣]، " أي لتشهدوا على الأمم يوم القامة أن رسلهم بلّغتهم"(٤).
قال ابن عثيمين:" أي: تشهدون على الناس بأن الرسل قد بلغتهم؛ فمنهم من آمن، ومنهم من كفر"(٥).
قال البيضاوي:" علة للجعل، أي لتعلموا بالتأمل فيما نصب لكم من الحجج، وأنزل عليكم من الكتاب أنه تعالى ما بخل على أحد وما ظلم، بل أوضح السبل وأرسل الرسل، فبلغوا ونصحوا. ولكن الذين كفروا حملهم الشقاء على اتباع الشهوات، والإِعراض عن الآيات، فتشهدون بذلك على معاصريكم وعلى الذين من قبلكم، أو بعدكم"(٦).
قال ابن عاشور:"علة لجَعْلِهم وسطاً فإن أفعال الله تعالى كلها منوطة بحكم وغايات لعلمه تعالى وحكمته وذلك عن إرادة واختيار لا كصدور المعلول عن العلة كما يقول بعض الفلاسفة، ولا بوجوب وإلجاء كما توهمه عبارات المعتزلة وإن كان مرادهم منها خيراً فإنهم أرادوا أن ذلك واجب لذاته تعالى لكمال حكمته"(٧).
(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣٢٨ - ٣٢٩. (٢) تفسير الطبري: ٣/ ١٤٢. ويؤكد ابن عاشور المعنى نفسه قائلا: إن" الوسط هو الخيار العدل الخارج من بين طرفي إفراط وتفريط علمنا أن الله تعالى أكمَلَ عقولَ هذه الأمة بما تنشأ عليه عقولهم من الاعتياد بالعقائد الصحيحة ومجانبة الأوهام السخيفة التي ساخت فيها عقول الأمم، ومن الاعتياد بتلقي الشريعة من طرق العدول وإِثبات أحكامها بالاستدلال استنباطاً بالنسبة للعلماء وفَهْماً بالنسبة للعامة، فإذا كان كذلك لزم من معنى الآية أن عقول أفراد هاته الأمة عقول قَيِّمة وهو معنى كونها وسطاً، ثم هذه الاستقامة تختلف بما يناسب كل طبقة من الأمة وكلَّ فرد، ولما كان الوصف الذي ذكر أثبتَ لمجموع الأمة قلنا إن هذا المجموع لا يقع في الضلال لا عمداً ولا خطأ، أما التعمد فلأنه ينافي العدالة وأما الخطأ فلأنه ينافي الخلقة على استقامة الرأي فإذا جاز الخطأ على آحادهم لا يجوز توارد جميع علمائهم على الخطأ نظراً، وقد وقع الأمران للأمم الماضية فأجمعوا على الخطأ متابعة لقول واحد منهم لأن شرائعهم لم تحذرهم من ذلك أو لأنهم أساءوا تأويلها، ثم إن العامة تأخذ نصيباً من هذه العصمة فيما هو من خصائصها وهو الجزء النقلي فقط وبهذا ينتظم الاستدلال". (تفسير ابن عاشور: ٢/ ١٩ - ٢٠). (٣) الفتح: ٨/ ٢٢. وقوله (كما نص عليه الحديث) أي: حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً عند البخاري-فتح-: ٨/ ٢١ رقم: ٤٤٨٧ قال: (والوسط: العدل)، وانظر: فتح الباري: ٨/ ٢٢، وتنصيصه على أن ذلك من نفس الخبر، وليس بمدرج من قول بعض الرواة كما وهم فيه بعضهم .. (٤) صفوة التفاسير: ١/ ٩٠. (٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ١١٠. (٦) تفسير البيضاوي: ١/ ١١١. (٧) تفسير ابن عاشور: ٢/ ٢٠.