قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: ١٤٣]، "أي إن الله رءوف بعباده، لأنه ذو الرحمة الواسعة" (١).
قال مقاتل: " {لَرَءُوفٌ}: يعني يرق لهم، {رَحِيمٌ}: حين قبلها منهم قبل تحويل القبلة" (٢).
قال الزجاج: " ومعنى الرأفة كمعنى الرحمة" (٣).
قال البغوي: " والرأفة أشد الرحمة" (٤).
قال ابن عطية: " والرأفة أعلى منازل الرحمة" (٥).
قال النسفي: " {ؤحيم}، لا يضيع أجورهم، والرأفة: أشد من الرحمة، وجمع بينهما كما في الرحمن الرحيم" (٦).
قال أبو السعود: " تحقيقٌ وتقريرٌ للحُكم وتعليلٌ له فإن اتصافَه عز وجل بهما يقتضي لا محالة أن لا يُضيعَ أجورَهم ولا يدَعَ ما فيه صلاحهم" (٧).
قال الصابوني: " تعليل للحكم أي أنه تعالى عظيم الرحمة بعباده لا يضيع أعمالهم الصالحة التي فعلوها" (٨).
قال الطبري: "أي: "أن الله بجميع عباده ذُو رأفة، و (الرأفة)، أعلى مَعاني الرحمة، وهي عَامَّة لجميع الخلق في الدنيا، ولبعضهم في الآخرة، وأما (الرحيم): فإنه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة، على ما قد بينا فيما مضى قبل" (٩).
واختلفت القراءة في قوله تعالى: {لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: ١٤٣]، على وجهين (١٠):
أحدهما: {لرءوف رحيم} مهموزا غير مشبع على وزن: رعف. قرأ بها عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم.
والثاني: {رؤف} مثقلا مهموزا مشبعا على وزن رعوف، قرأ بها ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم، وكذلك ابن عامر.
وفيه أربع لغات: (رئف) أيضا كحزر، و (رأف) على وزن فعل (١١)، وكلتاهما قراءتان سبعيتان، قال الوليد بن عقبة (١٢):
وَشرُّ الطالِبِينَ - وَلا تَكُنْه - ... بقَاتِلِ عَمِّه، الرَّؤُفُ الرَّحِيم
(١) تفسير المراغي: ٢/ ٨.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٤٦.
(٣) معاني القرآن: ١/ ٢٢١.
(٤) تفسير البغوي: ١/! ٦١.
(٥) المحرر الوجيز: ١/ ٢٢١.
(٦) تفسير النسفي: ١/ ١٢٩.
(٧) تفسير أبي السعود: ١/ ١٧٤.
(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٩٠.
(٩) تفسير الطبري: ٣/ ١٧٠ - ١٧١.
(١٠) انظر: السبعة في القراءات: ١٧١، والحجة: ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠.
(١١) مفاتيح الغيب: ٤/ ١٠٠.
(١٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٥، وتفسير أبي حيان: ١/ ٤٢٧، في الأول (يقاتل)، والثاني (يقابل)، وكأن هذا البيت من شعر الوليد بن عقبة، الذي كتب به إلى معاوية يحض معاوية على قتال علي رضي الله عنهما. وهي في أنساب الأشراف: ١٤٠، وتاريخ الطبري ٥/ ٢٣٦ - ٢٣٧، وحماسة البحتري: ٣٠، واللسان (حلم) وغيرها، وليس فيها هذا البيت، وكأنه قبل البيت الذي يقول فيه:
لَكَ الْوَيْلاتُ! أَقْحِمْهَا عَلَيْهِمْ ... فخيرُ الطَّالبي التِّرَةِ الغَشُومُ
وقوله: " لا تكنه "، دعاء له، واستنكار أن يكون كهذا الطالب الثائر الذي يطالب بدم عمه، وهو رؤوف رحيم بعدوه وقاتل عمه، وهو شر طالب ثأر.