للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

٢ - ومنها: أن مَنْ ذَكر الله ذكره الله؛ لقوله تعالى: {أذكركم}؛ وكون الله يذكرك أعظم من كونك تذكره؛ ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي؛ ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه» (١)؛ وذكر الله يكون بالقلب، وباللسان، وبالجوارح؛ فالأصل ذكر القلب كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله؛ وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب» (٢) فالمدار على ذكر القلب؛ لقوله تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} [الكهف: ٢٨؛ وذكر الله باللسان، أو بالجوارح بدون ذكر القلب قاصر جداً، كجسد بلا روح؛ وصفة الذكر بالقلب التفكر في آيات الله، ومحبته، وتعظيمه، والإنابة إليه، والخوف منه، والتوكل عليه، وما إلى ذلك من أعمال القلوب؛ وأما ذكر الله باللسان فهو النطق بكل قول يقرب إلى الله؛ وأعلاه قول: «لا إله إلا الله»؛ وأما ذكر الله بالجوارح فبكل فعل يقرب إلى الله: القيام في الصلاة، والركوع، والسجود، والجهاد، والزكاة، كلها ذكر لله؛ لأنك عندما تفعلها تكون طائعاً لله؛ وحينئذٍ تكون ذاكراً لله بهذا الفعل؛ ولهذا قال الله تعالى: {وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: ٤٥]؛ قال بعض العلماء: أي لما تضمنته من ذكر الله أكبر؛ وهذا أحد القولين في هذه الآية.

٣ - ومن فوائد الآية: فضيلة الذكر؛ لأن به يحصل ذكر الله للعبد؛ وذكر الله للعبد أمر له شأن كبير عظيم؛ فليس الشأن بأن تذكر الله، أو أن تحب الله؛ ولكن الشأن أن يذكرك الله عزّ وجلّ، وأن يحبك الله عزّ وجلّ؛ ولهذا قال الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: ٣١]؛ فقال تعالى: {يحببكم الله} لأن هذا هو الغاية المطلوبة.

٤ - ومنها: وجوب الشكر؛ لقوله تعالى: {واشكروا لي}؛ و «الشكر» يكون بالقلب، وباللسان، وبالجوارح؛ ولا يكون إلا في مقابلة نعمة؛ فسببه أخص من سبب «الحمد»؛ ومتعلَّقه أعم من متعلق «الحمد»؛ فيختلفان إذاً من حيث السبب؛ ويختلفان من حيث المتعلق؛ سبب «الحمد» كمال المحمود، وإنعام المحمود؛ فإذا كان سببه إنعام المحمود كان «الحمد» من «الشكر»؛ أما «الشكر» فسببه واحد؛ وهو نعمة المشكور؛ وأما متعلق «الحمد» فيكون باللسان فقط؛ وأما متعلق «الشكر» فثلاثة: يكون باللسان، والقلب، والجوارح؛ وعليه قول الشاعر:

أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا فـ «يدي» هذا الشكر بالجوارح؛ و «لساني» هذا الشكر باللسان - يعني القول؛ و «الضمير المحجبا» يعني القلب.

والشكر بالقلب أن يعتقد الإنسان بقلبه أن هذه النعمة من الله عزّ وجلّ وحده؛ فيحب الله سبحانه وتعالى لهذا الإنعام؛ ولهذا ورد في الحديث: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه» (٣)؛ فإن الإنسان إذا شعر بأن هذه النعمة من الله أحب الله سبحانه وتعالى؛ لأن النفوس مجبولة على محبة من يحسن إليها.

وأما الشكر باللسان فأن يتحدث الإنسان بنعمه لا افتخاراً؛ بل شكراً؛ قال الله تعالى: {وأما بنعمة ربك فحدث} [الضحى: ١١]؛ وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر» (٤).


(١) أخرجه البخاري ص ٦١٦، كتاب التوحيد، باب ١٥: قول الله تعالى: (ويحذركم الله نفسه)، حديث رقم ٧٤٠٥، وأخرجه مسلم ص ١١٤٤، كتاب الذكر والدعوات ... ، باب ١: الحث على ذكر الله تعالى، حديث رقم ٦٨٠٥ [٢] ٢٦٧٥.
(٢) أخرجه البخاري ص ٦، كتاب الإيمان، باب ٣٩: فضل من استبرأ لدينه، حديث رقم ٥٢، وأخرجه مسلم ص ٩٥٥، كتاب المساقاة، باب ٢: أخذ الحلال وترك الحرام، حديث رقم ٤٠٩٤ [١٠٧] ١٥٩٩.
(٣) أخرجه الترمذي ص ٢٠٤١، كتاب المناقب، باب ٣١، في مناقب أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، حديث رقم ٣٧٨٩، وأخرجه الحاكم في مستدركه ٣/ ١٥٠، كتاب الهجرة، ومن مناقب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه؛ وقال الذهبي: "صحيح" (المرجع السابق).
(٤) أخرجه أحمد ٣/ ٢، حديث رقم ١١٠٠٠؛ وأخرجه الترمذي ص ١٩٧٠، كتاب تفسير القرآن، باب ١٧: ومن سورة بني إسرائيل، حديث رقم ٣١٤٨؛ وأخرجه ابن ماجة ص ٢٧٣٩، كتاب الزهد، باب ٣٧: ذكر الشفاعة، حديث رقم ٤٣٠٨؛ ومدار الحديث على عليّ بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف، والحديث صحيح بطرقه وشواهده، منها ما أخرجه الدارمي في المقدمة بمعناه ١/ ٣٩، حديث رقم ٤٧؛ وما أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦، وقال الألباني في تخريجه: صحيح الإسناد ٢/ ٣٥٦، وقال في صحيح الترمذي: صحيح ٣/ ٧١، حديث رقم ٢٥١٦ - ٣٣٦٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>