للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

فدل على أن الشهيد مشهود له، ومشهود عليه، وهذا استقراء من اللغة صحيح، واستنباط من الحديث بديع، فقف عليه (١).

وقد أشاد بهذا القول الزبيدي (٢) -رحمه الله- فقال - بعد ذكره الخلاف في ذلك-: «وذكر أكثر من ذلك محررًا مهذبًا: الشيخ أبو القاسم السهيلي في الروض الأنف بما لا مزيد عليه» (٣).

وتعدّ لفظة "شهيد" لفظة عامة يدخل تحتها جميع من أثبت له الشارع صفة الشهادة، لكن الفقهاء -رحمهم الله- لهم اصطلاح خاص في تسمية الشهيد الذي يأخذ أحكامًا تخصه عن سائر الموتى.

وقد اختلفوا في تحديد الشروط والضوابط التي تحدد مفهوم الشهيد بالمعنى الاصطلاحي، ولذا فإنهم قد اختلفت تعريفاتهم حسب شرط كل مذهب، وسوف نعرض هنا لبعض هذه التعريفات -إن شاء الله- على وجه الاختصار والإجمال:

أولا: التعريف الاصطلاحي للشهيد عند الحنفية:

اختلفت عبارات الحنفية في تحديد مفهوم الشهيد عندهم، ولعل أحسنها وأشملها: تعريف ابن عابدين (٤)، الذي عرفه بقوله: «هو كل مكلف، مسلم، طاهر، قتل ظلمًا، بجارحة، ولم يجب بنفس القتل مال، ولم يرتث (٥)» (٦)، «وكذا لو قتله باغ أو حربي أو قاطع طريق ولو تسببًا أو بغير آلة جارحة» (٧).

ثانيا: التعريف الاصطلاحي للشهيد عند المالكية:

جاء في وصف الشهيد الذي لا يغسل ولا يصلى عليه قول خليل (٨)، هو: «شهيد معترك فقط، ولو ببلد الإسلام أو لم يقاتل، وإن أجنب على الأحسن، إلا إن رفع حيًا، وإن أنفذت مقاتله، إلا المغمور ... » (٩).

ثالثا: التعريف الاصطلاحي للشهيد عند الشافعية:

عرفه الإمام النووي (١٠) -رحمه الله- بأنه: «من مات بسبب قتال الكفار حال قيام القتال» (١١).

رابعا: التعريف الاصطلاحي للشهيد عند الحنابلة:

عرّف ابن مفلح (١٢) -رحمه الله- الشهيد بأنه: «من قتل بأيدي الكفار في معركتهم» (١٣).


(١) الروض الأنف: ٣/ ١٩٥.
(٢) هو: محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني، الزبيدي الحنفي، الملقب بمرتضى، ولد سنة ١١٤٥، نحوي، محدث، أصولي، مؤرخ، نسابة، أصله من واسط في العراق، ومولده في بلجرام في الشمال الغربي من الهند، ومنشأه في زبيد باليمن، رحل إلى الحجاز، وأقام بمصر. من تصانيفه: تاج العروس في شرح القاموس، الروض المعطار في نسب السادة آل جعفر الطيار، إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين. توفي بالطاعون في مصر سنة ١٢٠٥ هـ. انظر: تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار، للجبرتي: ٢/ ٩١ - ١١٤، ومعجم المؤلفين: ١١/ ٢٨٢.
(٣) تاج العروس: ٨/ ٢٥٦.
(٤) هو: محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الدمشقي الحنفي، ولد سنة ١١٩٨ هـ، من أشهر مؤلفاته: حاشيته المسماة "رد المحتار على الدر المختار"، فقيه الديار الشامية، وإمام الحنفية في عصره. توفي سنة ١٢٥٢ هـ. انظر: الأعلام: ٦/ ٤٢. ومعجم المؤلفين، لعمر كحالة: ٩/ ٧٧
(٥) المرتث هو من أصيب في المعركة أو غيرها ولم يجهز عليه في مصرعه ثم مات بعد ذلك متأثرًا بجراحته، وسيأتي تفصيل ذلك في مبحث خاص. انظر ص ١٦٥.
(٦) حاشية ابن عابدين: ٢/ ٢٤٧.
(٧) المصدر نفسه والصحيفة نفسها.
(٨) هو: خليل بن إسحاق بن موسى المصري المالكي، مؤلف المختصر الذي هو عمدة المذهب. توفي سنة ٧٦٧ هـ. انظر: الديباج: ١/ ٣٥٧. وشجرة النور الزكية، ص ٢٢٣. ومعجم المؤلفين: ٣/ ١١٣.
(٩) مختصر خليل، ص ٥٦ - ٥٧.
(١٠) هو: الإمام محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، الشافعي، ولد سنة ٦٣١ هـ، من كبار علماء الإسلام، له المؤلفات الجليلة النافعة، منها: شرح صحيح مسلم، وروضة الطالبين، والمجموع شرح المهذب، ورياض الصالحين، وغيرها. توفي سنة ٦٧٦ هـ. انظر: طبقات الشافعية، لابن هداية الله، ص ٨٩. والمنهل العذب الروي في ترجمة قطب الأولياء النووي، للسخاوي.
(١١) روضة الطالبين: ٢/ ١١٩.
(١٢) هو: برهان الدين أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح الحنبلي، ولد سنة ٨١٥ هـ، انتهى إليه رئاسة عصره. من مؤلفاته: "المبدع في شرح المقنع"، وهو عمدة في المذهب. توفي سنة ٨٨٤ هـ. انظر: السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة: ١/ ٦٠.
(١٣) المبدع شرح المقنع، لابن مفلح: ٢/ ٢٣٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>