قال المراغي:" والسرّ في التعبير بنفي الجناح الذي يصدق بالمباح، مع أن السعى بينهما إما فرض كما هو رأى مالك (١) والشافعي (٢) أو واجب كما هو رأى أبي حنيفة (٣)، الإشارة إلى بيان خطأ المشركين الذين كانوا ينكرون كون الصفا والمروة من الشعائر، وأن السعى بينهما من مناسك إبراهيم، وذلك لا ينافي الطلب الجازم"(٤).
واختلف أهل العلم في وجوب طواف (الصفا والمروة)، على ثلاثة أقوال (٥):
أحدها: أنه سنة، قاله احمد، وبه قال أنس وابن عباس (٦)، عبدالله بن الزبير (٧)، وعطاء (٨)، ومجاهد (٩)، وعاصم (١٠)، وأنس بن مالك (١١) رضي الله عنهم (١٢).
وحجتهم: قوله تعالى: {فَلا جُناحَ عَلَيْهِ}، فإنه يفهم منه التخيير.
قال البيضاوي:" وهو ضعيف، لأن نفي الجناح يدل على الجواز الداخل في معنى الوجوب، فلا يدفعه"(١٣).
الثاني: أنه واجب، يجبر بالدم. وهذا مذهب أبي حنيفة (١٤)، والثوري (١٥).
الثالث: أنه ركن. وهذا قول مالك (١٦)، والشافعي (١٧) رحمهما الله (١٨).
واجتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام:"اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي"(١٩).
قال أبو حيان:" ومن ذهب إلى أنه ركن، أو واجب يجبر بالدم، أو إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم، أو ثلاثة فأقل فعليه لكل شوط إطعام مسكين، يحتاج إلى نص جلي ينسخ هذا النص القرآن"(٢٠).
والراجح:"أنّ الطواف بهما فرض واجب، وأن على من تركه العوْد لقضائه، ناسيًا كان، أو عامدًا. لأنه لا يُجزيه غير ذلك، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حج بالناس، فكان مما علمهم من مناسك حَجّهم الطوافُ بهما"(٢١). والله أعلم.
(١) انظر: لفظ مالك في الموطأ: ٣٧٤ - ٣٧٥، وتفسير الطبري (٢٣٥٣): ص ٣/ ٢٤١. (٢) انظر لفظ الشافعي في الأم ٢: ١٧٨، وانظر: تفسير الطبري (٢٣٥٤): ص ٣/ ٢٤١. (٣) وفي بعض روايات أبي حنيفة: "إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم، أو ثلاثة فأقل فعليه لكل شوط إطعام مسكين". [انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٥٧]. (٤) تفسير المراغي: ٢/ ٢٨. (٥) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥. (٦) انظر: تفسير الطبري (٢٣٥٧): ص ٣/ ٢٤١٠٢٤٢. (٧) انظر: تفسير الطبري (٢٣٦٢): ص ٣/ ٢٤٢. (٨) انظر: تفسير الطبري (٢٣٥٦): ص ٣/ ٢٤١. (٩) انظر: تفسير الطبري (٢٣٦٠)، و (٢٣٦١): ص ٣/ ٢٤٢. (١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٣٥٨): ص ٣/ ٢٤٢. (١١) انظر: تفسير الطبري (٢٣٥٩): ص ٣/ ٢٤٢. (١٢) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥، والبحر المحيط: ١/ ٤٥٧. (١٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥. (١٤) وفي بعض روايات أبي حنيفة: "إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم، أو ثلاثة فأقل فعليه لكل شوط إطعام مسكين". [انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٥٧]. (١٥) انظر: تفسير الطبري (٢٣٥٥): ص ٣/ ٢٤١، وتفسير البيضاوي: ١/ ١١٥، والبحر المحيط: ١/ ٤٥٧. (١٦) انظر: لفظ مالك في الموطأ: ٣٧٤ - ٣٧٥، وتفسير الطبري (٢٣٥٣): ص ٣/ ٢٤١. (١٧) انظر لفظ الشافعي في الأم ٢: ١٧٨، وانظر: تفسير الطبري (٢٣٥٤): ص ٣/ ٢٤١. (١٨) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥، والبحر المحيط: ١/ ٤٥٧. (١٩) أخرجه أحمد ٦/ ٤٢١ – ٤٢٢، حديث رقم ٢٧٩١١، وأخرجه ابن خزيمة ٤/ ٢٣٢ – ٢٣٣، حديث رقم ٢٧٦٤، ٢٧٦٥، وأخرجه الشافعي في مسنده ١/ ٣٥١ – ٣٥٢، حديث رقم ٩٠٧، وقال الألباني الحديث "صحيح" (الإرواء: ٤/ ٢٦٩ – ٢٧٠). (٢٠) البحر المحيط: ١/ ٤٥٧. (٢١) تفسير الطبري: ٣/ ٢٤٣. ومن تلك الأخبار: - روي عن جابر أنه قال: "لما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصفا في حجه قال: " {إنّ الصفا والمروةَ من شَعائر الله}، ابدؤوا بما بدأ الله بذكره. فبدأ بالصفا فرَقِيَ عليه". [تفسير الطبري (٢٣٦٥): ص ٣/ ٢٤٣]. - عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنّ الصفا والمروةَ من شَعائر الله "، فأتى الصفا فبدأ بها، فقام عليها، ثم أتى المروة فقام عليها، وطاف وسَعى". [تفسير الطبري (٢٣٦٦): ص ٣/ ٢٤٣].